Skip to main content
في عيد ميلاده ال80 متأملًا تجربته .. بهاء طاهر: لم أنبهر بالغرب ولم أنسحق أمامه
بشَّر به يوسف إدريس منذ أن كان طالبًا يدرس في كلية الآداب جامعة القاهرة، ونشر له أولى قصصه القصيرة «المظاهرة» ومنها وحتى «واحة الغروب» تاريخ طويل وعمل دءوب، استطاع من خلاله أن يكون قارئًا ومعجبًا ومحبًا لأدبه ولشخصه أيضًا، هو الذي لا يكف عن التجديد وخوض المناطق التي لم يسبقه إليها أحد.
نقطة النور، خالتي صفية والدير، الحب في المنفى، قالت ضحى، بالأمس حلمت بك، وأنا الملك جئت.. إنجاز ضخم يصعب معه المفاضلة، ليس فقط من ناحية الكم، فالكم والكيف كلاهما يصب في صالح بهاء طاهر، الذي أكمل عامه الثمانين منذ أيام، وننتظر منه رواية جديدة في الشهور المقبلة، ذهبنا إليه لنكون برفقته ونستمع له، ففتح قلبه وتحدث عن الماضي والحاضر والمستقبل.
هو محمد بهاء الدين عبدالله طاهر، نشأ في أسرة كبيرة العدد، متوسطة الحال، كان والده مدرسًا للغة العربية، أنجب تسعة من البنات والبنين؛ كان هو أصغرهم، عندما بلغ الخامسة استقروا في الجيزة، حيث أُحيل أبيه إلى المعاش وتقلَّص راتبه، وتسبّب ذلك في أزمة مادية شديدة لكنه لم يؤثر على تعليمهم، ورغم أن مسقط رأس والديه هو قرية الكرنك بالأقصر، إلا أنه لم يعش فيها إلا إجازات قصيرة، ومع ذلك عرف عنها أدق التفاصيل والتطورات، فقد كانت قريته هي أمه، التي تركتها في السادسة عشرة من عمرها وتنقلت مع زوجها في عدة مدن، لكن ظلت القرية تعيش في داخلها حتى نهاية عمرها، وكانت تمتلك موهبة غريزية في حكاية القصص، رغم أنها لم تتعلم القراءة ولا الكتابة، فكانت هي المصدر الذي تعلم منه حب الحكايات وحب الصعيد، لذا أهدى أول رواياته «شرق النخيل» إلى ذكراها، بالإضافة إلى مكتبة والده الذاخرة بكتب التراث.
يقول عنها: «كانت أمي هي قريتي، فأنا لم أعش في الصعيد، لكن هي كانت صعيدية مائة بالمائة ولم تغيّر حتى لهجتها إلى أن توفت، فكانت تعيش بوجدانها في الصعيد، وكانت جميع حكاياتها معي عن حياتنا هناك وأهلنا، فهي من جعلتني أعيش في الصعيد كأنني وُلِدت فيه، حتى إن إبراهيم عيسى كتب في مقال من قبل أن بهاء طاهر يشبه أمه، لأنني عشت أيضًا في الخارج سنوات طويلة ولم أتغير كمصري، كما عاشت هي خارج الصعيد ولم تتغير، وإهدائي «شرق النخيل» إلى روحها، لم يكن فقط لذلك، ولكن لأنها من حكت لي تلك الحادثة، عن رصاصة الثأر التي أصابت أبا وابنه في وقت واحد».
تعلَّم القراءة والكتابة وحفظ جزءًا من القرآن في أحد الكتاتيب، ثم التحق بالمدرسة، في زمن يرى أن نظام التعليم به كان جيدًا، فلم تكن هناك دروس خصوصية ولا غش في الامتحانات، ولا مدرسة مشاغبين أو هزل في التعليم من أي نوع، كان الأمر ببساطة أنهم يذهبون إلى المدرسة للتربية والتعلم، إلى جانب حصص الأشغال والفلاحة والرسم والهدايات، حتى التحق بمدرسة «السعيدية الثانوية» بمكتبتها الثرية.. يعود فيتذكر: «من يحب القراءة كان يذهب إليها، كما أن وزارة المعارف كانت توزِّع علينا أعمالاً أدبية للقراءة الحرة وليس للاستذكار والاختبارات، من ضمنها «يوميات نائب في الأرياف» لتوفيق الحكيم، «الأيام» لطه حسين، ورواية «المهلهل» لفريد أبو حديد، فكل هذا جعلنا نحب القراءة ونرتبط بها، وهو ما لم يعد موجودًا الآن للأسف».
كانت مدرسته تشهد حصارًا في السنوات القليلة التي سبقت الثورة، أيام حكومات النقراشي وإبراهيم عبد الهادي، ولكن مع مجيئ حكومة النحاس باشا، اختفى حصار الشرطة الدائم الذي كان مضروبًا حولها وحول الجامعة، يعبّر طاهر عن ذلك: «كانت مظاهراتنا تخرج في أمان نسبي وهي تطالب النحاس بإلغاء معاهدة 36 وبالكفاح المسلَّح في القناة ضد الإنجليز، ولم تكن الأخطار تبدأ إلا حين تتعرّض الهتافات للملك، وكان من بيننا في «السعيدية» طلاب وفديون وإخوان مسلمون وشيوعيون وكل الألوان، لكن الغالبية العظمى من الطلاب كانت مثلي تحب النحاس باشا وتستهويهم شعارات الاشتراكية دون أن يهتموا بالانضمام إلى حزب أو تيار معين».
ربما لهذا السبب، ولأنه شهد تلك الفترة من التعددية والتنوع، يرى أن ما كان يحدث السنوات السابقة خلال النظام الأسبق لم يكن حرية رأي، وإنما كما يصفها حرية «الهوهوة» أو الصراخ، فالحرية لابد أن يكون بها نوع من النظام والحوار بين الآراء المختلفة، رغم أنه لم يضع للحرية تعريفًا محددًا، يوضح: «عشت فترة بها تعدد للحوار والآراء، فقبل ثورة 1952، كان هناك الوفد بمواقفه المعروفة وغيره من الأحزاب، وكل منهم كانت له منابره الصحفية، فكان هناك نوع من تبادل الخبرات والآراء، والحكم للقارئ، وظهرت وقتها دعوات الاشتراكية، أما في السنوات السابقة، فالصحافة تحولت من سلطة رابعة إلى سلطة راكعة، والصحافة والإعلام لم يلعبا دورهما الحقيقي حتى الآن كمنابر للديمقراطية، بمعنى أن تفسح المجال للرأي والرأي الآخر، وللحوار والنقاش، الآن لديها فرصة جيدة لأن تعود للعب ذلك الدور مع تعدد التيارات، فالأمل يتوقف على الشباب، بأن يصروا على أن يكون الإعلام حرًا وديمقراطيًا».
أخذنا الحديث بطبيعة الحال إلى الأوضاع الراهنة، فعاد بنا إلى أول الحكاية.،حكاية المثقف والسلطة، قال: «كان أهل الصعيد يحبون الملك فاروق، لأنه جاء لزيارة الصعيد وأكل عدس مع الفلاحين، فأطلقوا عليه وقتها «أمير الصعيد»، وكانت تلك الفترة هي الأزهى للمثقفين، ورغم ذلك هتفنا ضده وعارضناه، أما في عصر عبد الناصر؛ أغلب المثقفين كانوا موظفين، ثم جاء السادات واعتبرهم أعداءه، أما مبارك فلم يسمع بوجودهم، وعلى مدار أكثر من عشرين عامًا كانت تتم دعوتي في معرض الكتاب إلى لمؤتمر الذي يقيمه هناك، دائمًا كنت أوجِّه له سؤالًا واحدًا عن الديمقراطية، ولم تتم إجابته أبدا، وإن وجّهت سؤالًا للرئيس السيسي الآن سيكون هو نفسه، فالديمقراطية لابد أن يبدأ مفهومها من المرحلة الابتدائية».
لا يثق أبدًا في الإخوان، ولا يصدِّق أنهم نبذوا العنف أو سينبذونه يومًا ما، لأنه جزء أساسي من تفكيرهم، فما يحدث الآن من إرهاب يعود لفكرهم بالتأكيد، حتى أن داعش نفسها في رأيه تنبثق من أفكارهم، لذا يرى أن الدعوة التي وجّهها السيسي ضد الثورة الدينية في محلها، ولكن: «يجب إشراك أجهزة الإعلام فيها، لأنها التي تلعب الدور الرئيسي في إبراز الشيء أو خسوفه، فالخطاب الديني مسئولية كل من لديه نوع من السلطة أو النفوذ، لكنه بالمقام الأول مسئولية الإعلام، وبالذات المرئي؛ لأن تأثيره على الناس كبير، والدليل ما تسبب فيه مشايخ الفضائيات من مصائب، وتجديد الخطاب الديني يعني الرجوع به إلى أصل الدين الحقيقي، وليس الفقه أو الفتاوي، بل إلى النبع الأصيل الذي خرج منه الدين، فأي اختلاف في فتوى أو اجتهاد لا يستدعي التكفير».
التحق بالجامعة في عام الثورة 1952، التي فرحوا بها كثيرا هو وزملاؤه، لقد شاركوا في صنعها ونزلوا إلى الشارع يحمون الدبابات بأجسادهم من غدر الملك والإنجليز، فالثوار شباب مثلهم، لا يكبرونهم سوى بسنوات قليلة، خرجوا يضحون بحياتهم لتحقيق أحلام الجميع، لكن تلك الفرحة لم تدُم طويلًا، فبعد تحقُّق الأحلام الكبيرة من خروج الملك وصدور قانون الإصلاح الزراعي وتطهير جهاز الحكم من الفاسدين والمرتشين، الضباط لم يريدوا أن يشاركهم أحد الرأي، فتحول موقف الطلبة إلى أعداء للثورة مثل عدائهم للملك، رغم أن وجدانهم كان لا يزال مؤيدًا لما تفعله الثورة من أجل استقلال الوطن والنهوض به، وقد كان لهذا المناخ من المشاعر المزدوجة والمتضاربة دوره فيما كتبه هذا الجيل وهو منهم.
التقى طاهر خلال فترة دراسته في الجامعة بمجموعة من الطلبة، هم مبدعو مصر ومثقفوها فيما بعد، من بينهم رجاء النقاش وشقيقه القاص وحيد النقاش، القاص مصطفى أبو النصر، الكاتب صبحي شفيق، الشاعر محمد سليمان وأخوه الفنان التشكيلي حسن سليمان، معوض بولس ويوسف السيسي، ثم سليمان فياض والقاص الأردني غالب هلسا، لذلك؛ ورغم أنه عاصر فترات متعددة وأجيالًا مختلفة بالأدب، لكن رؤيته لتلك المرحلة كانت مختلفه: «ليست هناك مقارنة أو تفضيل بالطبع لفترة عن أخرى، لكني شخصيًا أرى أن فترة الستينيات شهدت خصوبة أدبية كبيرة، فقد كان يكتب فيها نجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس وعبد الحليم عبدالله، وكنا وقتها نحن جيل الشباب الصاعدين، فمعظم الأسماء التي لمعت فيما بعد بدأت من الستينيات، وقد كان محفوظ أكثر من أثر فيّ عندما بدأت قراءة الأدب، ثم يحيى حقي، وبعدها يوسف إدريس».
عمل وهو طالب في السنة الأخيرة بالجامعة مترجمًا في مصلحة الاستعلامات، والتي كانت متخصصة في الدعاية للثورة، في الوقت الذي كانت كتاباته معادية للكثير من توجهاتها، لذا أخفى اهتمامه بالكتابة عن زملائه في العمل، وبعد التخرج؛ اجتاز اختبارات العمل في الإذاعة عام 1957، واختار أن يعمل في البرامج الثقافية البعيدة عن مجال الدعاية، لبعدها عن الأضواء والمهرجانات السياسية، فانضم للبرنامج الثاني الثقافي.
حصل طاهر عام 1973 على دبلوم بالدراسات العليا من كلية الإعلام، ونشر أول قصة قصيرة له عام 1964 في مجلة الكاتب، التي عمل فيها فيما بعد محررًا لباب المسرح، ثم أخذ ينشر في أكثر من جريدة، لكنه لم يذع أي من قصصه في البرنامج الثاني، حيث اعتبر ذلك استغلالا للنفوذ، ورغم أن أدبه بدا في ظاهره أنه رجعة للرومانسية القديمة، إلا أنه أفزع بعض النقاد ربما أكثر من الأدب السياسي المباشر، وراحوا يحرّضون السلطة عليه وعلى غيره من الكُتَّاب باعتبارهم شيوعيين ومخرّبين، فتم إبعاده حينها ومنعه من الكتابة في منتصف السبعينيات، فتحتم عليه بعد أن طال هذا الأمر أن يترك مصر ويبحث عن عمل خارجها، فتركها في أول الثمانينيات ليعمل بالترجمة في الأمم المتحدة في جنيف.
يستطرد بهاء طاهر متذكرًا: «في عهد الرئيس السادات كان وزير الثقافة الكاتب الكبير يوسف السباعي، وقد قال وقتها أن من ليس معنا فهو ضدنا، ووجدني لست معهم، فاعتبرني ضدهم وأبعدني عن العمل بالإذاعة، كان لابد أن أسافر لأنه لم يكن لديّ مورد رزق آخر، رغم أنني لم أفكر في السفر خارج مصر قبل ذلك على الإطلاق، حتى عندما سافرت؛ كنت أعتقد أنني سأمكث شهرين أو ثلاثة، لم أتخيل أبدًا أن ذلك سيستمر لأكثر من عشرين عاما».
ورغم أنه درس التاريخ، لكنه عشق الترجمة منذ سنواته الأولى في الجامعة، وبعد المنع كانت هي المنقذ ومورد الحياة بالنسبة له، لقد كان رب أسرة ولديه أبناء، عمل بالترجمة قبل الأمم المتحدة في أكثر من منظمة بأكثر من دولة، كمترجم حر، ذهب إلى فيينا، داكار بأفريقيا وسيريلانكا بآسيا، كأعمال مؤقتة في مؤتمرات، والتي يصفها بأنها من أغرب الفترات في حياته.تنقَّل بين قارات العالم القديم الثلاث، وترجم الكثير من الأعمال التي جعلته أكثر قربًا ودراية بهم، وكان من أهم ما توصل إليه أن دول العالم الثالث متشابهة، يقول: «هناك قصة شهيرة جدًا ليوسف إدريس عن زيارته لفيينا، يقول فيها: «اكتشفت أن الفقر هناك مثل الفقر هنا»، فما اكتسبته من تلك التنقلات والأعمال المتقطعة هو الإحساس بفكرة أن العالم الثالث هو عالم واحد مهما اختلفت القارات والدول، بمشاكل واحدة، هي الثلاثي الشهير؛ الفقر والجهل والمرض، وهذا الظلم جاء بالطبع نتيجة الاستعمار الطويل الذي تعرضت له بلاد آسيا وأفريقيا».
واستطرد: «لذلك كان جمال عبد الناصر يسعى إلى أن تتوحّد تلك البلاد بشكل ما، ليس بالضرورة أن تكون الوحدة سياسية، ولكن لابد أن يكون هناك وحدة مصالح، ذات مرة كنت بالهند في مؤتمر أدبي، وأبديت اندهاشي الشديد، لأننا لا نعرف الأدب الهندي إلا من خلال ترجمته للإنجليزية، وكذلك هم يعرفون الأدب المصري بنفس الطريقة، فلم يكن هناك أي تبادل بين مصر والهند، وإلى أن تزول تلك الغمة ونستطيع أن نتواصل بشكل مباشر لن يكون هناك وحدة المصالح تلك».
أما في أوروبا، وتحديدًا جنيف التي عاش بها أكثر من 14 عاما في الفترة بين 1981 و1995، فقد كان الوضع مختلفا، يوضح: «لأننا نعيش عصر المركزية الغربية وهيمنة الغرب على العالم، لكني عندما سافرت إلى أوروبا لم يكن ذلك للدراسة في سن صغيرة كغيري، وإنما كنت خريجًا وأعمل، فلم يكن لديّ الانبهار بالغرب أو الانسحاق أمامه، خاصة وأنني عملت بالبرنامج الثاني وتعاملت باستمرار مع الأدب الأوروبي، كنت أرى الحقيقة، وانعكس ذلك في كتاباتي، مما دفع أستاذة جامعة نرويجية إلى الكتابة عن صورة الغرب في قصتين لي، وهما «بالأمس حلمت بك» و«حديقة غير عادية»، حيث رأت أنني في هاتين القصتين قدَّمت الغرب بصورة مختلفة تمامًا عن بقية الكُتَّاب، كتوفيق الحكيم ويحيى حقي، كنت أرى المشاكل بشكل موضوعي، ما يجمعنا بهم وما يفرقنا عنهم، لذا أرفض تمامًا مسألة الصراع بين الغرب والشرق في الأدب، فأناس كثيرون تكتب أن أعمالي تتناول الصراع بين الشرق والغرب وهذا غير صحيح، فأنا أتناول العلاقة بينهما بما فيها من إيجابيات وسلبيات، فالمشكلة بالنسبة لي في العلاقات الإنسانية بين الناس هنا وهناك، والتي بها أوجه تشابه بالتأكيد وأوجه اختلاف، وبناء عليه لا يمكن أن نصدر أحكامًا عامة بأن الشرق روحاني مثلًا والغرب مادي وهكذا».
إذن؛ لم يكن هناك مواقف مسبقة لدى الآخرين تجاهنا، فطاهر يرى أن المسألة تتوقف على من نتصل معهم في الغرب وما العلاقات التي تنشأ بيننا وبينهم، ليس هناك مواقف أو حلول جاهزة، بل تتوقف على كل طرف من الطرفين.ولأن كل غربة تؤثر على الإنسان، حتى إن كان من مكان لآخر في نفس البلد، فكيف استطاع صعيدي أن يعيش بجنيف؟، فتلك بالطبع كانت نقلة صعبة جدًا له، وربما هو عبّر عن ذلك في إحدى قصصه عندما كتب «الإنسان مثل الزرع، يلزمه تربة معينة حتى ينمو فيها، عند تغيير تلك التربة الزرعة لن تصلح».
لكنه صلح، رغم أن حياته تغيّرت تمامًا عما كان يخطط له، فقد أراد أن يبقى في بلده دائمًا وللأبد، لم يفكر أن يترك مصر أبدًا، وخطّط أن يعمل بالكتابة، فكان يكتب قبل سفره واستمر فيها بعدما سافر وبعد عودته، ومع ذلك فهو يؤمن بقدره: «هناك شيء مهم جدًا في ذلك، أن الإنسان يخطّط لحياته بأي طريقة لكن هناك إرادة الله التي تملك الحكم النهائي، إما أن تقوده في الطريق الذي يريده أو تذهب به في طريق آخر، المهم أن يتقبل الشخص الواقع كما هو، فالعشرون عامًا الذين قضيتهم كان لهم تأثير كبير في كتاباتي، وقد وضح ذلك جليًا في رواية «الحب في المنفى» و«وقالت ضحى» وحتى «واحة الغروب»، لا أعلم إلى أين أوصلني أو سيوصلني ذلك أو حجم ما أنا عليه الآن، كل ما أعرفه أنني اخترت طريق الكتابة وسرت به ومازلت، طمحت في شبابي أن أكتب جيدًا وقد كان، حصلت على جوائز كثيرة في مصر وخارجها، لكني لا أعتبرها معيارًا على جودة الكاتب أو أهميته، فالحُكم الأول والأخير للقُرَّاء، بدون وساطة».
ولأن الحُكم للقراء، فالأمر بات أكثر صعوبة الآن؛ المواهب لم تقِّل، بل إنها على حد تعبير طاهر متوافرة بكثرة، لكن الناس هي التي لم تعد تقرأ، والإبداع هائل، لكن لا أحد يسلِّط عليه الأضواء، يستطرد: «قرأت روايتين هذا العام جديدتين جدًا، ومن الأقصر أيضًا، الأولى لأشرف الخمايسي «منافي الرب» والثانية لأدهم العبودي «متاهة الأولياء»، وأيضًا ثالثة عمانية بعنوان «الذي لا يحب جمال عبد الناصر»، وجميعها أعمال جميلة جدا، فهناك عدد ضخم من الأعمال لكن غياب الوعي هو الذي يجعل الناس لا تستطيع الاختيار الجيد لقراءته، وتلك ليست مشكلة الكاتب أو القارئ، فدائمًا في الإبداع يوجد مبدع وقارئ ووسيط، هذا الوسيط هو الناقد والإعلام، الذي يسلِّط الضوء على الجيد وينبّه للرديء، وقد كنا محظوظين كجيل أن لدينا نقاد عظماء كالدكتور محمد مندور، الدكتور عبد القادر القط، الدكتور لويس عوض، وغيرهم، هذا الوسيط الضروري ما بين المبدع والمتلقي لم يعد موجودًا للأسف».
لكنه أيضًا ليس من المعجبين بالكتابات التي تخرج من العاصمة باستمرار وتحصل فورًا على لقب الأكثر مبيعًا، ففي رأيه هم لا يعطون شيئًا للقارئ سوى الاستجابة لرغباته، وهذا لا يؤثر إيجابيًا على الوعي الوطني والإنساني، كما أن بعض الكتابات الجديدة الرائجة بها إهدار للغة، والأدب والفكر هما اللغة، فإذا كانت الكتابات تتسم بلغة ركيكة لا تعبّر عن فكر يكوّن الوعي، لا يُعتَّد بها أبدًا مهما كان توزيعها، وهو يُرجِع ذلك إلى أن: «التعليم رديء جدًا، إذا عُدنا لكتب جيلنا والأعمال الأدبية التي كنا ندرسها، سنجد أنها كانت تحبّبنا في اللغة والقراءة، أما المقررات الآن فهي شيء مؤسف للغاية».
بذلك، يكون شعراء العامية بُراء من تهمة أنهم أحد أسباب تردي اللغة، وكما قال طاهر، هم منهم الرائعين كالأبنودي وسيد حجاب وغيرهم من الشعراء الكبار، وهناك أيضًا كلمات لا تستحق الورق الذي تكتب عليه: «الأمر ليس له علاقة بالعامية والفصحى».
بالرغم من سنوات غربته الطويلة بالخارج، إلا أن مصر كانت هي الملهم دائمًا لبهاء طاهر في كتاباته، وربما ظهر ذلك جليًا في روايته الشهيرة ذائعة الصيت «خالتي صفية والدير» التي فازت بجائزة جوزيبي أكيربي الإيطالية عام 2000، والتي تناولت الوحدة الوطنية والعلاقة بين المسلمين والمسيحيين، وعبّرت بصدق عن مقوله «من الحب ما قتل»، من خلال صفية التي امتلأ قلبها بحب حربي وملك عليها عقلها وكيانها، إلى درجة أن انتقامها منه لعدم شعوره بهذا الحب جاء قويًا مميتًا مثلما كان حبها وكتمانها.
ورغم ما أحدثته تلك الرواية من ضجة كبيرة، خاصة بعد تحويلها إلى عمل درامي من بطولة بوسي وممدوح عبد العليم، إلا أن رأيه جاء متفقًا تمامًل مع مقولة نجيب محفوظ بأن العمل الأدبي عندما يتم تحويله دراميًا، تنتهي علاقة الروائي به، لأن «العمل الدرامي ملك لصانعيه وليس للمؤلف، يمكن أن يأخذ كاتب الدراما من العمل الأدبي 10٪ ولكن البقية تكون إبداعه»، كما أنها لم تكن الأصعب بالنسبة لطاهر في كتابتها، فقد أخذت رواية «الحب في المنفى» وقتا طويلًا أثناء كتابتها عن بقية إبداعاته، لأن العمل نفسه كان صعبًا للغاية، فقد كان يتحدث عن الصراع العربي الإسرائيلي ومذبحة صبرا وشاتيلا بالذات، وكان لا يزال بالخارج وليس في مصر أو المنطقة العربية، فأخذ كثير من الوقت للبحث والدراسة. رغم ذلك؛ إلا أنه يستغرق وقتًا أطول بكثير في القراءة، لأنه كما صرح: «أنا قارئ بطيء ومتمعِّن، أعطي لكل عمل حقه من الاهتمام والدراسة».
صحيح أن شهرته الأوسع جاءت مع رواياته، لكنه أحب القصة القصيرة، فهي بالنسبة له أرقى فنون السرد، لذا يعتز بقصصه أكثر من رواياته، لأنها تجربة يتم تكثيفها في عدد محدود من الصفحات، كما أن لغة القصة القصيرة أقرب إلى لغة الشعر، لكن السبب الأقوى بالنسبة له: «إني أدين للقصة القصيرة بأنها السبب في عودتي لمصر مرة أخرى، من خلال قصة «بالأمس حلمت بك»، بعد أن نسيَني الناس نهائيًا لغيابي الطويل خارج مصر، وقد كتبتُ هذه القصة لأخرج من حالة الحزن على موت أمي، ولا أعرف سبب خروجها بهذا الشكل».
لكنه أيضًا لا يعترف بالقصص القصيرة جدا، التي لا تتجاوز سطور، بالضبط كعدم اعترافه بقصيدة النثر، حيث يقول: «قليلون جدًا من ينتجون فيها إبداع جيد، وما يعجبني منها أتحدث إلى صاحبه وأخبره بذلك، وقد كان يسري حسان آخر من فعلت معه ذلك».
أما آخر أعماله الروائية، فقد كانت «واحة الغروب» التي حصلت على الجائزة العالمية للرواية العربية عام 2009، والتي أُخِذ عنها مؤخرًا عرضا مسرحيا تحت عنوان «أرملة الصحراء» للمخرجة سالي أحمد، وذكر فيها أنه «يمكن أن تحكم الناس بالخوف والقمع، لكن الخائفين لا يمكن أن ينتصروا في حرب، في ساحة الحرب يجب أن يكونوا أحرارًا»، وهو ما يؤكد أننا في حرب أكتوبر 1973 لم يكن لدينا خوف، فقد كانت هناك رغبة في التضحية، لكن اليوم! ماذا لو تكرر ذلك؟: «أعتقد أننا لو خُضنا حربًا اليوم سننتصر أيضًا، لأن الشعور بالوطنية المصرية الآن في أوجه وعنفوانه، وهناك مثل يقول (لا تتمنوا لقاء العدو، فإذا لقيتوه فأثبتوا)».
Comments
Post a Comment