Skip to main content
وثائق ثورة يناير لكتابة تاريخ المرحلة
يذخر تاريخ مصر بكثير من الأحداث والانعطافات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وغيره، ولكي يصلنا هذا التاريخ ويصل إلى الأجيال القادمة فيما بعد، لابد له من وثائق وأدلة يستند عليها المؤرخون لكتابة قراءاتهم ورؤياهم، وقد شهدت مصر في السنوات الثلاث الماضية فترة فارقة في حاضرها ومستقبلها، منذ قيام ثورة 25 يناير عام 2011، وهي المرحلة التي مازالت تثير كثيرًا من التساؤلات والحيرة حولها.
بعد اندلاع الثورة بشهور أخذت بعض الجهات تعلن عن نيتها لتوثيق الثورة، ليتمكن المؤرخون من العمل وتتاح الأحداث أمام الناس للاطلاع عليها وتكوين آرائهم الشخصية، ومن بين تلك الجهات كانت مكتبة الإسكندرية، من خلال موقع ذاكرة مصر المعاصرة modernegypt.bibalex.org، والذي تبدأ وثائقه منذ عام 1799 وتتوقف عند عام 1981 مع تولي الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، وهو ينقسم إلى حكام، رؤساء الوزراء، أحداث، موضوعات، شخصيات عامة، ويتضمن صور، وثائق، أفلام، صوتيات، خطب، صحافة، مقدمات، كتب، خرائط، أوسمة، نقود، طوابع، أغلفة، وإعلانات.
عن المرحلة المتبقية خلال الثلاثة وثلاثين عامًا الماضية ونتائج العمل بها حتى الآن، يقول الدكتور خالد عزب، مدير المشروعات المستقبلية بمكتبة الإسكندرية: «جمعنا كل ما يتعلق بالثورة منذ يوم 25 يناير 2011 وحتى 3 يوليو 2014، ويتمثل هذا في آلاف الصور والمنشورات والمواد المرئية الإخبارية والأرشيف الصحفي والمقالات التحليلية التي نُشِرت عن الثورة، وسيكون ذلك جزءًا من مد تاريخ مصر المعاصر منذ عام 1981 حيث توقفنا وحتى 2014 مع تولي الرئيس السيسي حكم مصر، وحاليًا نعكف على إتمام ذلك وسنعلن في الفترة القادمة عن إتاحته للناس للإطلاع عليه بصورة رقمية على موقع ذاكرة مصر، وإلى الآن نكتفي بالمواد التي ستتاح على الموقع، وليس في خطتنا إصدار كتاب، لأن المنهجية التي نعمل عليها هي ألا نبدي رأي في المسائل بقدر ما نتيح المادة التاريخية للناس لتطلع عليها وتكون رأي فيها، فهناك فرق بين كتابة التاريخ في صورة نقدية تحليلة وبين جمع المواد المتعلقة بالتاريخ، فنحن مهمتنا الأولى والأساسية هي توفير المواد التاريخية الخام، أما المؤرخ فهو من يقوم بكتابة التاريخ وتحليله ونقده وتقديمه للقارئ، ومهمة القارئ أن يكون قناعاته الذاتية بناء على ما يقرأ».
ويشير عزب إلى أن مصادرهم في جمع الوثائق متعددة، بدءًا من المنشورات التي كانت توزع في الشارع إلى الشعارات التي تم الهتاف بها والمؤتمرات الصحفية وتطور سلسلة الأحداث، ويضيف: «الوثيقة في العصر الحالي أصبح مفهومها أوسع كثيرا من فكرة الوثيقة الورقية، فخطاب التنحي مثلا الذي ألقاه عمر سليمان يعد وثيقة، فهي لم تعد فقط الشيء المكتوب، وإنما الشيء المؤثر في مسار الحدث التاريخي».
وأكد عزب أن مركز توثيق التراث الحضاري والطبيعي لديه عرض مرئي حاليا لثورة يناير، وهو متاح للجمهور مشاهدته، ولكن المرحلة المتبقية في ذاكرة مصر والتي تندرج بها ثورة يناير لم ينتهي العمل بها بعد، وأوضح: «ليس أقل من عامين من العمل حتى تكون متاحة، وبلا أدنى شك، الفترة التي تلي 3 يوليو موجودة في الخطة بعد ذلك، ولكننا الآن معنيين باستكمال ما هو سابق قبل أن نعني باستكمال ما هو حاضر».
وإن كان ذلك تطوعا من قبل مكتبة الإسكندرية وخدمة تقدمها للناس، فهو واجب على دار الوثائق القومية، لأنها المعني الأول والأخير بذلك، فيشير الدكتور عبد الواحد النبوي رئيس الدار، قائلا: «توثيق الثورات من أصعب ما تقابله الأرشيفات الوطنية باعتبارها جهات حكومية، الأمر يكون قائم بالدرجة الأولى على جهات ومؤسسات أهلية أكثر منها جهود دولة، فنحن إلى حد ما عملنا الضروري والرئيسي هو تجميع كل الأوراق والمكاتبات والمستندات والوثائق الحكومية التي كانت تنتج أثناء قيام الثورات، كوضع وزارة الداخلية أثناء الثورة ومجلس الوزراء، وزارة التنمية المحلية، وهكذا، فكل الأوراق التي تقع في نطاق هذا الأمر يجب أن تُضَم إلى دار الوثائق القومية ولكن بعد انتهاء العمل عليها، وهو ما يستغرق خمسة عشر عاما على الأقل في الجهات الحكومية، فمثلا القضايا الدائرة حاليا بخصوص فترة الثورة، لا يمكننا ولا يتيح لنا القانون أن نضمها إلا بعد انتهاء جميع مراحل التقاضي والإجراءات الإدارية، بعد 15 عام من الآن».
يستطرد النبوي موضحًا: «نحن لا يخصنا من اخطأ أو من على حق، فهذه الأوراق مادة خام توضع تحت نظر الباحثين والمتخصصين ومن يريد أن يكتب عن الثورة أو يؤرخ لها أو يقدم عملًا علميًا أكاديميًا رصينًا عنها أو ما دار بها من أحداث، وبالتالي فالأرشيفات الوطنية أو من يجب أن يقوم بمثل هذه الأمور يجب أن يكون حياديًا ولا ينبغي أن يتدخل أو يكتب، ولذلك حتى دار الوثائق القومية كان لديها مشروع تعمل عليه ببطء حاليًا بأن تجمع كل مادة خام صالحة لإعداد البحوث وكتابة تاريخ هذه الفترة، لكنها لا تتدخل سواء بالحذف أو الإضافة أو التحليل أو إبداء الرأي، وتلك الوثائق تتضمن الشهادات الشفوية والشعارات والنكت والأمثال، والوثائق الرسمية والمكاتبات التي كانت متداولة».
إن كانت المؤسسات السابقة تسعى لتوثيق الأحداث، فهيئة قصور الثقافة لديها هدف آخر، يقول محمد أبو المجد، رئيس الإدارة المركزية للشئون الثقافية وأمين عام النشر بالهيئة: «لقد بدأنا هذا المشروع بشكل طوعي وقرار ذاتي من داخل الهيئة، فالمسئولون عن النشر بها قرروا بِدءه اعتبارًا من يناير 2012، وفي ذلك الوقت قدّمنا مجموعتين؛ الأولى تضم عددًا من الكتب الإبداعية التي كُتبَت استلهامًا من الثورة المصرية وروحها ويومياتها ومشاهداتها، والثانية تقدِّم تحليلًا للثورة ودورها وتصور سيناريو لمستقبلها، وبعد ذلك استمرينا حتى 2014، ثلاث سنوات نطبع كتبًا ما بين الإبداع والتحليل والمشاهدات والرصد ليوميات الثورة وأغانيها وشعاراتها وصورها، لكنه لم يكن مشروعًا توثيقيًا بالمعنى العلمي، وإنما مشروع ثقافي إبداعي يحاول رصد الظاهرة في إنعكاستها الأولى على المثقفين المصريين، وبشكل خاص فيما يتعلق بتحليل الثورات ودورها في المجتمعات والمسار الطبيعي لتطورها أو استمرارها، فالهيئة قدمت قرابة 100 عنوان في هذا الاتجاه ما بين الإبداع والتحليل والرصد، داخل سلسلتين، الأولى هي إبداعات الثورة، والثانية كتابات الثورة، والإبداعات بشكل خاص مع الكُتَّاب والمبدعين الشباب، أما الكتابات فتقدُّم الرؤى العلمية والإعلامية والسياسية والثقافية والاجتماعة المتصلة بالثورة ومراحلها المختلفة».
يستكمل أبو المجد: «جنبًا إلى جنب مع هاتين السلسلتين، قدّمت الهيئة عددًا كبيرًا من الكتب التي رأتها مناسبة لوعي وثقافة المصريين في هذه المرحلة من عمر مصر، فقدّمنا أعمالًا متعلقة بعلم الثورات والتحولات الاجتماعية والدساتير في العالم، والدساتير المصرية كذلك، فقد كنا الجهة الوحيدة في مصر التي طبعت جميع دساتير مصر مجتمعة ووضعتها أمام لجنتي (المائة) و(الخمسين)، وعندما صدر دستور الإخوان لم نطبعه، ثم قدّمنا كتبًا لفلاسفة الثورة الفرنسية، ومفكرين وكتابًا عرب تناولوا مفهوم التغيير السياسي في الأنظمة بشكل عام، وفي يناير 2013 عندما أراد الإخوان إظهار مصر بأنها دولة دينية بهذا الشكل، قدّمنا كتابًا مهمًا يتحدث عن نفسه وهو «شخصية مصر» لجمال حمدان، لنظهر مصر الحقيقية في إطارها الثقافي والحضاري، بكل عناصرها الجغرافية والسياحية وثرواتها، وأنها كنز مهم في إطار المنظومة الكونية، وقدّمنا كتابًا آخر في الشهر ذاته للدكتور عمار على حسن عن الثورة بعنوان «عِشت ما جرى»، موجِّها من خلاله رسالة لمرسي بأن يرحل».
ويشير أبو المجد إلى أنه تم نشر عدد من الأعمال الشعرية لسمير عبد الباقي، محمد فريد أبو سعدة، عبد العزيز موافي، محمد جبريل، وهم من الأسماء المعروفة، إلى جانب عدد كبير من الشباب، ما يتعدى العشرين كتابًا في الإبداع، بالإضافة إلى أكثر من خمسين عنوانًا يتناولون التحليل والرصد، مثل الحركات الإسلامية في العلم السياسي، وتاريخ الحركات الإسلامية في مصر، وتاريخ الحركات الشيوعية في مصر، وكتاب عن المصطلحات السياسية والاجتماعية، والإعلان الدستوري للمجلس العسكري.
بعيدًا عن المؤسسات الرسمية، هناك جهود أهلية بُذِلت في هذا الإطار إلكترونيًا، فمن أبرز المواقع التي أُنشِئت في الفترة الأخيرة لتوثيق الثورة بالكامل كان «ويكي ثورة» wikithawra.wordpress.com، وهو مبادرة توثيقية للمركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، يقوم بتوثيق كل الأحداث، متضمّنة القتلى والمصابين والمقبوض عليهم والملاحَقين خلال فترة الثورة المصرية نتيجة التغيرات السياسية والاجتماعية، تهدف إلى حرية تداول المعلومات والشفافية الكاملة، وإظهار الحقائق بطريقة حيادية لتجنب محاولات تزييف التاريخ، والمساهمة في دعم مشروع العدالة الانتقالية.
وبصورة أوسع وأكثر شمولية، يأتي موقع «ثورة 25 يناير» egyptrev.net، الذي انشأه مجموعة من المصريين - كما يعرّفون أنفسهم - تأثروا بما يحدث لمصر خلال فترة الثورة، وارتأوا أن يضعوا جهودهم التطوعية في هذا العمل لتأريخ و توثيق أيام الثورة، وهو عبارة عن موقع توثيقي يستهدف جمع وضم آلاف المواد الإلكترونية المتنوعة التي نشرت أثناء الثورة المصرية باللغتين العربية والإنجليزية، ويهدف الموقع إلى تيسير عملية البحث في المادة الموجودة على شبكة الإنترنت من خلال تصنيفات متعددة ومتشعبة، وهو ما يميز هذا الموقع، حيث الدقة في تنظيم وتصنيف المادة واحتواءه على كثير من خيارات البحث المتنوعة، فقد تم تصميمه بحيث يسمح بالبحث الدقيق والمتقدم للوصول لنتائج متجددة.
Comments
Post a Comment