المنسي قنديل: نحن مخلوقات طفيلية على الحضارة المعاصرة

محمد المنسي قنديل، ابن مدينة المحلة الكبرى، وُلِد عام 1949، تعلَّم القص من أبيه، رغم أنه لم يكن قصاصًا؛ لكنه «حكاء شفوي من الدرجة الأولى» كما يقول عنه، تعلّم منه أول دروس الحياة وأول دروس القص حين أوضح له أن قصة بديعة كقصة النبي يوسف يمكن أن تُحكى في كلمتين «عيل تاه وأبوه لقاه»، ويمكن أن تُحكى بطريقة أخرى باستعراض تفاصيلها بدءًا من إخوته الذين أخذوه من أبيه وألقوه بالبئر، مرورًا بالقافلة المسافرة إلى مصر وفرعون الذي فسّر له حلمه، إلى أن أصبح الوزير الأكبر لمصر وأرسل لأبيه، «حينها أدركت أن السحر في التفاصيل، الحكاية ليست مجرد قصة نرويها وإنما نبعث فيها الحياة بالتفاصيل، ومن خلال ربطها بالبشر وطبائعهم».

كان أبوه «مِعْلم»، يملك عددًا من الأنوال اليدوية بالمحلة، المدينة الأشهر في صناعة الأقمشة والغزل منذ القدم، ويعمل لديه كثير من العمال، بعد افتتاح مصنع الغزل والنسيج هناك، انهارت صناعة الأنوال، فتحول إلى «صنايعي» وحيد، يملك فقط نولا واحدا يعمل عليه، يقول عن تلك الفترة: عندما كبرت تعرفت على جزء من مأساته الشخصية هذه، وارتبطت به إلى حد كبير، وقد عرف حبي للقراءة، فطلب مني بدلا من الجلوس وحيدا، أن أكون معه واقرأ له، لكي يستمع لي ويتسلي معي، وبدأنا هذه التجربة الغريبة معا، أنا اقرأ وهو يستمع، وكان يطاوعني في البداية في قراءتي للقصص البوليسية التي أحببتها حينها، لكنه علمني فيما بعد أن اقرأ في التاريخ والأدب والشعر وغيره، ومن هذه التجربة في تلك القاعة المظلمة الرطبة، كانت حصيلتي الكبيرة، فهذه التجربة مع أبي هي التي علمتني كيف أكون قصاصا.

بدأ أوائل تجاربه في الكتابة وهو في السنة الثانية بكلية الطب، فحصل على جائزته الأولى في نادي القصة عن قصته «أغنية المشرحة الخالية»، والتي استوحاها من حياته كطالب فقير في كلية الطب، ثم فاز بجائزة الثقافة الجماهيرية عن قصة «سعفان مات» في العام ذاته، ولذلك يرى أن أهمية الجوائز للكاتب تكمن في كونها تظهر له أن الآخرين يرونه، فهي مقياس، لكن للعمل لا للكاتب.

قضى فترة الجامعة بالمنصورة، التي يفصلها حوالي 20 كيلو مترا عن المحلة، وعشقها حقا، فقال عنها: إنها من أجمل مدن الوجه البحري، كنا نركب القطار كل يوم ذهابا وإيابا، ضم في داخله فئات كثيرة جدا، عمالا من مصنع المحلة وفلاحين من القرى المحيطة بها وغيرهم، فكنا نجد باستمرار أنماطا من البشر وخليطا من التفاعلات بينهم، كما أن المنصورة مدينة رومانتيكية، في وسطها نهر، ومليئة بالنباتات والزهور والبنات الجميلة، أعتقد أنني عندما شرعت في كتابة «انكسار الروح» مزجت بين المحلة والمنصورة في مدينة واحدة، فأخذت من المنصورة النهر والجامعة، ومن المحلة المصنع الضخم الملئ بالحركة العمالية، لكن المنصورة الآن أصبحت مزدحمة جدا، فأنا أذكر حينما كنت بالجامعة، كان النيل أمامنا مباشرة، نراه من أعلى أسطح الكلية، في حين أنني عندما ذهبت إليها مؤخرا لم أجده، لكن وجدت صفوفا من البيوت الكبيرة عند ضفة النهر وتحتها، أصبح هناك حاجز كثيف جدا من المساكن والناس يحجب النيل عن المكان، ظهر فيها الازدحام الشديد وفقدت كثيرا من رقتها ورومانسيتها.

بعد تخرجه ذهب للريف، إلى قرية دمشاو هاشم بالمنيا، فكانت تجربة ثرية جدا في حياته، يقول عنها: كانت فرصة لي أن أرى الريف المصري على الواقع، ومدى الفقر والتخلف الذي يعاني منه الناس، فعندما عملت هناك، كان بدائيا لدرجة كبيرة، لم تكن هناك كهرباء، فاعتمدت على الغاز، وفي الليل كنا نتخبط بسبب الظلام، لقد كانت البلدة منعزلة جدا عن العالم، يحيط بها ريَّاح ضخم، وهو أكبر من الترعة وأصغر من النهر، يصل جسر بينها وبين الطريق الخارجي، أحيانا ينقطع أو ينكسر فتنعزل عن العالم كله، لم يكن لأهلها ملجأ إلا طبيبهم، فلا وجود لإسعاف أو غيره، كانت الحياة صعبة في الريف، وأظن أن الوضع مازال كذلك، فالخدمات المتاحة له قليلة جدا، إن لم تكن انهارت مع انهيار كثير من المؤسسات في مصر، على رأسها مؤسستي الصحة والتعليم.

عاش تجربة الريف وتمنى أن يكتبها، وشرع في ذلك بالفعل، فأراد أن يكتب ثلاثية عن طبيب، يتناول حياته أثناء الدراسة أولا، ثم وهو يعمل بالريف المصري، ويختتمها عندما يرحل عن مصر ويعمل في الخليج، كتب منها الجزء الأول فقط، والذي تمثل في «انكسار الروح»، وما زال في عقله أن يكتب الجزءين الآخرين.

ترك الطب تدريجيا دون أن يدرك، فالأدب جذبه أكثر، ويضيف لذلك: اكتشف أنني لست طبيبا ماهرا، فمهنة الطبيب كبيرة جدا، ومن يعمل بها لابد أن يدرس ويتعلم باستمرار، وجدت أن اهتمامي الأكبر يذهب إلى الأدب، ثم أتيح لي السفر إلى الخليج، لكن ليس كطبيب، لأن مؤهلي وقتها لم يتعد درجة الماجستير في الأمراض النفسية، والمطلوب كان أعلى من ذلك، فالفرصة كانت محدودة لي كطبيب ومتاحة أكثر ككاتب، فوجدت نفسي انجذب بفعل عوامل الحياة والاقتصاديات إلى أن أركز في الأدب أكثر من الطب، لكني استفدت من دراستي في فهم الإنسان أكثر، فالأدب يتناول المشاعر والأحاسيس، بينما الطب يتناول الإنسان من الداخل، يتحدث عنه كماكينة تعمل، بها هرمونات وإنزيمات وأعصاب وردود أفعال، لذلك امتزجت دراستي للطب مع كتابتي للأدب، فتحقق التكامل في مجال الإنسان الذي أعمل عليه بالنسبة لي.

عمل كبيرا لمحرري مجلة العربي الكويتية، وساهم كثيرا في تطويرها، حتى إنه عمل جاهدا ليعيد مجلة «العربي الصغير» التي كانت متوقفة حينها، إلى الحياة، حتى أصبحت واحدة من أهم مجلات الأطفال في العالم العربي، إلا أنها كانت فترة فقيرة أدبيا: لقد كانت من الفترات الجميلة جدا في حياتي، قمت فيها برحلات كثيرة لكل مكان في العالم، فالعربي مؤسسة عريقة وبها نوع من الحرية الشديدة، يكفي فقط اقتراح عنوان لموضوع ما في أي مكان، حتى يوفروا التذكرة والمال اللازم للرحلة، وعند الذهاب إلى تلك البلاد واكتشافها يمكن الحصول على موضوع آخر مختلف تماما عن المقترح، هذا أتاح لي فرصة كبيرة للإطلاع على العالم الخارجي، ومن خلالها أتيحت لي فرصة التعرف على كل جوانب الثقافة العربية، كانت حقا تجربة غنية، لكنها أخذتني كثيرا من الكتابة للأدب، كتبت وقتها في الرحلات وللأطفال وبعض القصص القصيرة، لكنني لم أكتب روايات، لكن في نهاية التجربة استطعت استخدام محصلة جهدي في رواية «قمر على سمرقند»، وقد كانت تلك حصيلة رحلة استمرت لعشرين يوما إلى منطقة وسط آسيا التي تتضمن أوزباكستان وكازاخستان، فذهبت إلى هناك ثم عبرت الحدود بينهما لمسافة حوالي ألف كيلو، وكانت تلك الرحلة التي أوحت لي بفكرة الرواية، وتعرفت من خلالها على «نور الله» الذي صحبني من طشقند لسمرقند، وقضيت ليلة هناك في مقام الفقيه العلامة «البخاري»، وعلى قبره تكونت في ذهني رواية «قمر على سمرقند» بأكملها.

يشعر بالامتنان لتلك الفترة التي جعلته يرى العالم، ولكن: لم أكتب كما يجب أن أكتب، ضاعت سنوات طويلة من عمري كان يمكن استثمارها أكثر من ذلك، لكن أعتقد أنني أعرف العالم الآن بشكل أفضل، وأستطيع التعامل معه، ربما حاولت الاستفادة من ذلك وبدأت في كتابة رواية عن رحلاتي باسم «جواز سفر»، أحكي فيها قصة كل ختم موجود في جواز سفري، لكن مع الأسف بسبب بعض الظروف ضاعت مني نهائيا ولم أستطع استعادتها أو كتابتها مرة أخرى حتى الآن.

سافر مؤخرا إلى المكسيك ليكمل كتابة روايته «كتيبة سوداء»، التي صدرت منذ أسابيع قليلة، لكي يرى الأماكن على طبيعتها ويستطيع التعامل معها أثناء الكتابة، فقد اختار فترة حرب المكسيك التي أرسل الجنود المصريون للمشاركة فيها عام 1863، رغم أن هناك بعض الإشارات إلى تلك المرحلة في بعض الكتابات، لكنها قليلة وبدون تفاصيل: لقد قرأت عنها بشكل عابر في كتب التاريخ، بدون، ربما ذكرها عبد الرحمن الرافعي في سطر واحد، وبعدها قرأت كتابا لطوسون باشا، من الأسرة العلوية، وأحد قادة الجيش المصري، الذي ألف كتاب عن بطولات الأورطة المصرية في المكسيك أو «مكسيكا» كما يسميها، لكنه كان في مصر ولم يذهب إلى أي مكان، استطاع أن يعرف أخبار الفرقة الأجنبية من خلال مراسلات الخديو مع القادة، فكان كتابا توثيقيا لجميع المراسلات التي تمت وأسماء البعثة وكيف ذهبوا وتدرجوا في عملهم ومصائرهم، كتب كل شيء عنهم سوى مغامراتهم هناك وما فعلوه، وهذه كانت فجوة كبيرة جدا، لذلك قررت السفر لاستكمال أحداث الرواية، فنصفها كان في مخيلتي تقريبا، عندما ذهبت إلى هناك ورأيت الأماكن وصور ماكسمليان وزوجته شارلوت ودخلت المتاحف، وأطلعت على صور الأشخاص الذين سأكتب عنهم، جعلني هذا قريبا منهم، فاستطعت أن استكمل النصف الآخر منها، وأرسم صورة للواقعة كلها كما حدثت، فبرغم أن الدنيا تغيرت كثيرا، لكن المعالم الأساسية للمكان موجودة كما هي، كالنهر الذي حاربوا بجانبه والجبل الذي صعدوه، والقلعة التي سجنوا فيها، كل ذلك جعلني استعيد المشهد، لقد زرت خمس مدن من السبع الذين حاربوا فيهم بمقاطعة فيراكروز.

أعد لها وكتبها خلال ثلاث سنوات، فبعد ثورة يناير كان ينهي رواية «أنا عشقت»، بعدها بدأ التفكير في «كتيبة سوداء»، ولكن؛ لم تكن لديه المادة الضرورية، لأنه عندما يكتب دائما يبدأ من نقطة بسيطة وغامضة، ومع استمرار قراءاته وبحثه، تنمو الفكرة بالتدريج خلال الكتابة، أحيانا يكتب أجزاء قصيرة وأخرى طويلة وفصولا متفرقة، وعندما يجمعها في النهاية يستطيع خلق توازن لها، لكن تلك الرواية الأخيرة كانت مختلفة: لم أكن على علم بكيفية البدء، لأن الأحداث فيها كانت غامضة بذهني تماما، بدأت أفكر فيها بشكل مكثف، ولم أكتب حتى استجمعت الصورة وقرأت جيدا وترجمت بعض الوثائق والكتب، لأفهم ما حدث، فالرواية التاريخية بالذات مبنية على ما يسمى «المتخيل الروائي»، بأن يتخيل الكاتب عصرا بأناسه وأحداثه ويعيد صنعه على الورق، لكني لم أفضل التخيل كثيرا، كنت أريد الوقوف على حقيقة ما حدث رغم أنه مر عليه أكثر من قرن، وقد استغرقت مني في الكتابة فترة أقل كثيرا من تلك التي قضيتها في البحث وتجميع المادة.

لا يستطيع الكاتب أن ينفصل عن الواقع الذي يعيش فيه، وهذا هو حال قنديل عندما يبدع، فبالرغم من أنه ألقى الضوء على المظالم التي كان يتعرض لها العبيد من البشر في مكان يبعد عنا نسبيا، معتبرا العبودية المهنة الأقسى في تاريخ البشرية، إلا أن ذلك لا يقلل من تأثير تلك الحقبة على مصر بشكل مباشر، فبعد حرب المكسيك ومغامرة فرنسا فيها واضطرارها للجوء، أصبح جيشها أضعف من ذي قبل ودخل في معركة مع ألمانيا وانهزم هزيمة ساحقة، وأصبح الألمان على مشارف باريس، فتفردت إنجلترا وحدها بسيادة العالم والبحار، وتمكنت فيما بعد من غزو مصر: لذلك؛ فالحرب التي انهزمت فيها فرنسا بالمكسيك كانت سببا في اختلال التوازن الدولي وتجرأت إنجلترا على ضرب إسكندرية واحتلال مصر لمدة ثمانين عاما، فنفس المصير الذي أفلتت منه المكسيك عام 1863 وقعت مصر في براثنه.

ما أشبه تلك الحرب بكثير من الحروب التي شارك فيها الجنود المصريون، سواء في العراق أو اليمن أو غيرهما، فكلها قرارات لا تؤخذ فيها آراء الشعب، يقوم بها حكام بشكل متفرد: قد تكون حرب الكويت أخف بعض الشيء، لأن الأمريكان لم يريدوا إشراك الجنود المصريين في الحرب بشكل فعلي، وإنما كان وجودهم تمثيلا شرفيا ليدل على أن معهم قوات عربية، لكن في رأيي الجيش المصري خلق ليدافع عن حدود مصر، لا يجب الزج به في أي مغامرة خارج الحدود، لذلك أريد أن أبعث برسالة من خلال روايتي تلك، بأن ننتبه ونكتب مصيرنا بأيدينا، ولا نسمح بأن نساق لأي مغامرة عسكرية خارج حدودنا، تحت أي وهم أو سبب من الأسباب، نحن نحتاج لبناء قوتنا الذاتية وألا نكون عبيدا لبعض الدول الأخرى تلعب بنا مثلما كانت تفعل في الماضي.

رغم اختلاف التناول بين «كتيبة سوداء» و«كوكو سودان كباشي» لسلوى بكر، إلا أن الحدث هو ذاته، ولذلك أشار إليه: هي رواية جميلة جدا، وكانت واحدة من المراجع التي استعنت بها في كتابة روايتي، لكن سلوى بكر، وهي قصاصة موهوبة، كتبتها بمصر، بينما أنا كتبتها في المكسيك، فروايتها كانت من منظور فردي واعتمدت فيها على مراجع قليلة ككتاب طوسون باشا، لكني تناولتها بشيء من التفصيل.

تلك لم تكن الرواية الأولى التي يتناول فيها حالة حرب، لكن المتابع لأعماله سيجد هذه السيرة موجودة في أغلبها، ربما لأنه من الجيل الذي تعرض لهزيمة عام 1967 المروعة، فقد أثرت عليهم إلى درجة فقدوا معها الثقة في كل حوادث التاريخ التي قرأوها وجميع الانتصارات والأمجاد التي سمعوا عنها، لذلك أخذ قنديل يبحث عن يقين وإجابة، فقرأ كثيرا في التاريخ العربي، وانعكس ذلك على كتاباته، ويعرف التاريخ عنده، فيقول: هو نوعان، الصغير والكبير، التاريخ الكبير هو تاريخ الملوك والقادة والعظماء والأحداث السياسية الضخمة، أما التاريخ الصغير فهو تاريخ سائر الناس، الزراع والصناع والذين لا يكفون عن العمل، وهم ضحايا الحروب والأوبئة والأمراض، ومع ذلك نصيبهم من الدنيا قليل، وقد كنت منحازا لهذا الصغير وكتبت فيه كثيرا، ومن أبرز ما خططت عنه كتاب «وقائع عربية»، رويت فيه التاريخ من وجهة نظري ونظر البسطاء من الناس الذين كانوا يشاركون في صنعه دون أن يكون لهم نصيب فيه.

قد تكون تلك القراءات الكثيفة والمتعمقة للتاريخ هي سبب نظرته التشاؤمية تجاه الشخصية العربية، فيراها مليئة بالسلبيات وتنحرف تدريجيا إلى حد سيجعلها على هامش العالم المعاصر: نحن مخلوقات طفيلية على الحضارة المعاصرة، لا نقدم لها أي إبداع جديد أو أي مساهمة في الفكر أو مشاركة، نعيش على الهامش ونقتات على فتات الثقافة والأفكار الخاصة بهم، فنحن في مأزق حضاري كبير جدا ومهددون أن نكون خارج التاريخ كليا.

ولأن لكل نتيجة سبب، فالمؤكد أن لهذا الحال الذي وصلنا إليه أسبابه، وقنديل يرجعها أيضا إلى هزيمة 1967، فهي التجربة التي أصابت جيلا كاملا بالكآبة، وسببت نوع من الاكتئاب الجماعي: لأول مرة شعب يكتئب بأكمله، ظلت هذه الحالة ملازمة لنا فترة طويلة جدا، لقد كنا جيل الأحلام العظيمة؛ وتلك كانت المأساة، على الأقل، الجيل الحالي واقعي، يعلم حجم مصر في العالم المعاصر والمشاكل التي تواجهها، لكننا كنا نعتقد أن لدينا القدرة على تغيير العالم، وفوجئنا بأننا مجرد دولة صغيرة تتلاعب بها القوى الكبرى وتقودها للهزيمة، الأحلام العظيمة الخاصة بالقومية العربية والتحرر والعالم الثالث وعدم الانحياز كلها انهارت وتحطمت على يد دولة صغيرة كإسرائيل تعدادها ما بين 2 إلى 3 ملايين وقتها، لكننا اكتشفنا فيما بعد أن هناك أكبر منها تناوئنا، وهي التي أوقعتنا في هذا الفخ.

ورغم الانتصار في حرب أكتوبر 1973، ومساهمة ذلك في التخفيف من وقع الإهانة إلى حد كبير، إلا أن ذلك لم يخف أن إسرائيل أصبحت إحدى حقائق الكون التي مازلنا نعاني منها، وجميع الانهيارات العربية وما حدث فيما بعد كان نتيجة لما حدث في تلك النكسة: في 73 أدرنا المعركة الحربية جيدا في الأيام الأولى للحرب، لكننا لم نكملها على نفس المنوال وحدثت الثغرة وحصار الجيش الثاني، كما أننا أدرنا المعركة السياسية بشكل خاطئ تماما، لذلك، ولأنني عشت كثيرا في الخارج، فبرغم أننا انتصرنا عسكريا، إلا أنه لا أحد يرى الجانب المصري، العالم يراها حربا انتصرت فيها إسرائيل، لأننا لم نكشف عن أحداث الحرب أو وثائقها ولا أي شيء، جعلناها سرا غامضا مثل جميع الأحداث العظيمة في حياتنا، لا وثائق تكشف عن الحرب أو السد العالي أو تأميم قناة السويس، بينما إسرائيل تكشف وثائقها وتعلن، لذلك عندما يكتبون التاريخ يكون من وجهة نظر إسرائيل.

الوثائق!، من أكثر القضايا التي أثيرت على الساحة الثقافية الفترة الماضية وطال الحديث فيها، لكن لا حياة لمن تنادي، يرى قنديل أنها سبب نقصان الكتابات التاريخية المصرية: الكتابة التاريخية في مصر مشوهة، لأن الوثائق الأصلية دائما محجوبة، لابد أن نصبح شعبا ناضجا، ونصدر قانونا للمطبوعات، بأن يتم الكشف عن أي وثيقة بعد مدة محددة، وهذا المشروع قد عرض بالفعل في عهد الإخوان لكن شابه بعض العيوب وكانت البيروقراطية المصرية متحكمة فيه فجعلته بلا معني، نحن نريد الآن قانونا صريحا ومباشرا بالكشف عن كل الوثائق، فلا يعقل أن يدرك مسامعي ذات مرة أن وثائق السد العالي مثلا وجدوها ملقاة بالقمامة، ومؤكد أن كثيرا من مشاريعنا المهمة كان هذا مصيرها، لأنه ليس هناك قانون يحمي الوثائق ويرتبها ويكشفها للناس.

التاريخ المعاصر ربما لن يواجه ذلك المصير بفضل وسائل التكنولوجيا الحديثة التي تحفظ تلك الوثائق بشكل رقمي، يمكن الاستعانة بها فيما بعد، لكن لابد أولا من إصدار قانون يتيح للناس الكشف عن تاريخها وتحديد واقعها، ليعرفوا من أصاب ومن اخطأ، أما قنديل، فيحاول أن يؤدي مهمته تجاه هذه الفترة بصياغتها أدبيا: أتمنى أن تكتمل روايتي عن السنوات الثلاث المضطربة التي أعقبت ثورة يناير، التي تراجعت فيها القوى الوطنية وصعد الإخوان وعاد الجيش للحكم مرة أخري، لكن لا يمكن اعتبارها مرجعا تاريخيا، لأن الروائي يستخدم الخيال ويمزجه بالوقائع التاريخية، لحشو الفجوات الموجودة فيه، فهو يكشف عن العصر لا يوثقه.

وصل قنديل بإبداعه إلى مكان متفرد في الأدب العربي وخاصة فن الرواية، ولعل أسلوبه في الكتابة ولغته الرصينة والبسيطة من أهم أسباب ذلك، لكنه يعيد ذلك للعظيم نجيب محفوظ، الذي اعتادوا الجلوس معه في مقهى ريش، وكان يخبرهم بضرورة توسيع «فرشة» الرواية العربية، حتى لا تنحصر في الحارة أو الحي أو الأنماط القديمة: لقد كان يحذرنا لأن فيما بعد ظهر جيل جديد يقلده في كل شيء، يكتب عن الحارة مثله والفتوات الذين يرمز لهم، حتى الدراويش وبائعات الهوي، لذلك حاولت أن أخرج من هذا الإطار تنفيذا لوصيته وابتعادا عن عالمه، كما أن معيشتي خارج مصر سنوات طويلة وسفري إلى بلدان كثيرة حول العالم، جعلني أشعر بشكل أو بآخر أنني مواطن غير محلي، وإنما على تلاصق مباشر مع العالم، عشت في الخليج وكندا وزرت بلدانا كثيرة، فالعالم بأكمله هو بيتي، وفي أي مكان أضع قلمي وأسرد السيرة التي أحبها، ربما لهذا السبب أحاول باستمرار أن أجد أرضا جديدة أعمل عليها، إما أرضا في الزمان أو أرضا في المكان.

في المكان كتب روايتيه «قمر على سمرقند» و«كتيبة سوداء»، وفي الزمان، بدأ بالتاريخ في رواية «يوم غائم في البر الغربي»، فهو يعشق كلا من التاريخ والأماكن التاريخية، كما يعشق مدن مصر المختلفة، وهو ما ظهر جليا في تلك الرواية، فقد أسمي الفصول بأسماء المحافظات المصرية: أحب جدا أن أبرز المدن المصرية في عالمي، ففي اعتقادي، الأدب الجيد هو الجغرافيا الجيدة، لأن المكان هو الذي يوحي لي بجميع الأحداث التي أبحث عنها، ففي «كتيبة سوداء» لم أكن لأتمكن من إتمام الرواية إلا بذهابي للمكان، لذا أحرص دائما على إيجاد عالم جديد وأحاول تقديمه للقارئ.

أما الأسلوب، فأساسه اللغة، وفي ذلك يتبع قنديل قول «سارتر» بأن اللغة في كل مكان هي أداة من أدوات التوصيل إلا في الأدب، فهي غاية في حد ذاتها: لابد من الارتقاء باللغة، لأن تلك إحدى مهام الأديب، وعن نفسي، فقد تأثرت بكثيرين جدا من أصحاب الأساليب العذبة وعلى رأسهم بالطبع طه حسين، فأنا أحب أسلوبه جدا؛ ما يسمى بغنائية طه حسين، كما أفضل ألا تكون اللغة عازلا بيني وبين القارئ، لذلك لا استخدم أي ألفاظ مهجورة، ولا استخدم العامية إلا فيما ندر، أريد أن تكون الأداة جيدة ليفهم القارئ ما أعنيه بسهولة، لذلك آثرت في الرواية الأخيرة أن استخدم الفعل المضارع، لكي يشعر القارئ بأن الأحداث متدفقة وآنية، فالتناقض بين قدم الحدث وآنية الحديث، يعمل على إثراء النص.

ويستطرد: لكن ما يحدث الآن من إهمال اللغة يؤسفني حقا، فاللغة يجب أن تكون بين قضايا الكاتب، لأن الأديب مطالب أيضا بأن يطورها ويحافظ عليها وعلى رونقها، لابد أن تكون متماسكة، فهدمها يعني هدم أهم أداة تواصل مع القارئ، وإن فقدناها سنفقد جزءا كبيرا من هويتنا وتراثنا الفكري، لذلك أعيب على بعض كتاب الجيل الجديد أنهم لا يعطون الاهتمام الكافي للغة، وينزلقون إلى لغة الشارع، رغم أن الثقافة جزء منها أن يأخذ الفرد المادة الخام ويعيد تشكيلها، وهو ما ينطبق على اللغة أيضا، يجب أن يأخذ الكاتب اللغة العامية من الشارع ويعيد ترتيبها وصياغتها وإثراءها بالمفردات، لا أن يهدمها.

أدرك المنسي قنديل أهمية اللغة والأسلوب، فاهتم هو بدوره بإثقال مهاراته، لكن هناك عوامل أخرى كان لها تأثير كبير على شخصه وكتاباته، على رأس تلك العوامل «شلة المحلة»، التي ضمت عددا من الكتاب المتميزين، الذين مازال كثيرون منهم على الساحة حتى الآن، من بينهم الدكتور جابر عصفور، حامد أبو زيد، سعيد الكفراوي، جار النبي، فريد أبو سعدة ومحمد صالح، يقول: كنا نجتمع كل أسبوع في النادي الأدبي بقصر الثقافة، وكل من لديه إبداع في أي مجال يعرضه ونتناقش حوله، كنا نقرأ جميعا ونحلم ونكتب، أثر كل منا في الآخر كثيرا، كما كنا ننتقد بعضنا بعنف، لم يكن بيننا مجاملات، وذلك في سبيل أن نجود أنفسنا، فتلك الورشة علمتني الجدية في الكتابة، بعدها سافرنا وتفرقنا، لكنها ظلت في أعماقي ومازلت أعيش على ذكراها حتى الآن.

تحمست شركة «كان» ومالكتها دينا كريم، في الفترة الأخيرة لتحويل روايته «أنا عشقت» إلى دراما تليفزيونية، لكنه يرى: الرواية تخصص والكتابة الدرامية تخصص آخر، فبمجرد تحويلها تصبح لا تخصني، لأنه في تلك الحالة أصبح عملا كبيرا مسئولا عنه أناس كثيرون في فريق عمل وليست عمل فردي كالرواية، لذلك فأنا مسئول فقط عن روايتي، لكن هذا لا يمنع أن تحويله إلى عمل درامي يفيده جدا بالطبع، لأنه عندما يعرض على شاشة التليفزيون يراه عدد أكبر كثيرا عمن يقرأونه، وأتمني أن تكون جميع الأعمال الدرامية مأخوذة من أصل روائي، لأن ذلك سيرفع من مستواها.

لكن هذا لا ينفي أن قنديل لديه عشق خاص وشعور بالمسئولية تجاه السينما، ما جعله يكتب عددا من السيناريوهات لها، من أبرزها الذي تم تنفيذه «آيس كريم في جليم»، مؤكدا أن الأدباء الكبار لابد أن يساهموا في تطور السينما: ذات مرة تقابلت مع عمر الشريف، أخبرني أن مشكلتنا في السينما المصرية تكمن في أن من كتبوا لها جميعهم كتاب درجة ثانية، الوحيد من الدرجة الأولى كان نجيب محفوظ، فشعرت أن من واجبي أن أكتب للسينما، لكن للأسف السينما المصرية مريضة، تعيش على المحفوظات والاقتباس من الأفلام الأجنبية ولا تحب المغامرة في تجارب جديدة إلا فيما ندر، إلا أنه مازال هناك أمل في أفلام السينما المستقلة بأن ينقذونا من الأفلام التجارية للسبكي وأمثاله، لكن لابد للدولة أن تتدخل وتعاون السينما الجادة، فتردي الثقافة سببه في الأساس يرجع إلى تردي منظومة التعليم وانهيارها، فالتعليم ليس دوره تعليم القراءة والكتابة فقط، وإنما السلوك والحضارة والإنسانية، فجميع الأمراض الاجتماعية الموجودة حاليا هي نقص تعليم.

الرواية تعيش على مر الأزمان، وكما يقال دائما «التاريخ يعيد نفسه»، فبعد سنوات من كتابته لرواية «يوم غائم في البر الغربي» التي قال فيها «الدين لا يحدث فرقا بين الناس..الغباء هو الفارق»، يؤكد قنديل أن ذلك ينطبق تماما على الوضع الحالي: نحن نعيش معا مسلمين ومسيحيين، لكن يأتي أناس أغبياء يظنون أنهم أوصياء على الدين، وأنهم سيعيدون تعليم الكون كله، لأنهم الوحيدون الذين يحدثهم الله، فيبدأون فرض أنفسهم على الآخرين بأن يحكموهم أو يقتلوهم أو يحاكموهم، مثل تجربتنا مع الإخوان، الذين ظنوا أنهم قادمون لنشر الإسلام في مصر، كأننا في عصر الجاهلية أو كفار، فالعقلية الضيقة هي التي تخلق التعصب.

في النهاية، محمد المنسي قنديل لا يريد سوى أن ننقذ أنفسنا من مستنقع السلبية الذي نعيش فيه، فيقول: نحتاج فقط إلى من يحكمنا بشكل جيد لإخراج أفضل ما فينا، حتى الآن مصر لم تجد الحكم الجيد الذي يليق بها، نحتاج لمن يفكرون خارج الصندوق والشعارات والمصالح الشخصية، حتى يرسموا لمصر خطة تنجو بها من الوضع المزري الذي نعيش فيه.


Comments