دافيد فاغنر: نحكي عن حاضرنا لنعطيه معنى

في أحد أركان منزل أرستقراطي هادئ الأجواء عام 1982، استقر «دافيد» ذو الأحد عشر عامًا بين أحضان شقيقته الكبرى، يحاول استيعاب واقعه الجديد بدون والدته. أدرك مبكرًا أن الحياة قابلة للتوقف، فجأة، في أي لحظة. وبعد فترة وجيزة علِم أنه لن يعيش طويلًا، بعدما أخبره الأطباء أن كبده العليل لن يصمد، ومن حينها أصبح «الانتظار» هو خِله الوفي، والكتابة هي وسيلته للصبر.

ظل الكاتب الألماني «دافيد فاغنر» ينتظر الموت سنوات، ومع كل يوم جديد في عمره كان يندهش من أنه لا يزال على قيد الحياة. في منتصف عقده الرابع أصبح انتظاره مزدوجًا، إما الموت الحتمي، أو النجاة المرهونة بوجود متبرِع حديث الوفاة تقبل كبده أن تستقر في هذا الجسد بدون امتعاض.

كُتِبت له النجاة، واختار الموت شخصًا آخر ليفارق ذويه، فشعر فاغنر بالامتنان تجاه ذلك المجهول الذي وهبه حياة جديدة، وقرر بعد عام من إجرائه لعملية زرع الكبد أن يخط تجربته داخل المستشفى في رواية، أسماها «حياة»، صدرت منذ خمس سنوات عن دار نشر «روفولت» الألمانية. نالت في غضون شهور قليلة شهرة واسعة عالميًا، وأصبحت الأعلى مبيعًا في ألمانيا، إلى جانب حصولها على جائزة معرض لايبزيغ للكتاب، وترجمتها حتى اليوم إلى 17 لغة.

أصدرت شركة المطبوعات للتوزيع والنشر في بيروت، مطلع هذا العام، النسخة العربية من الرواية، بترجمة سمير جريس، وقد سعدت بصحبته خلال لقائي مع فاغنر بمعهد جوته، أثناء زيارته الثانية إلى مصر، حيث دار الحوار التالي:

_MG_9348

دعني أبدأ بالحديث عن الرواية الأبرز في مشوارك الأدبي «حياة»، متى طرأت على ذهنك لأول مرة فكرة أن تكتب عن مرضك وتجربتك، أثناء العام الذي مكثت فيه بالمستشفى أم بعد ذلك؟

بدأت بالتدوين في المستشفى، لأنها كمكان أثارت اهتمامي. لم تولد فكرة أن أكتب رواية عن تجربتي سوى بعد عام، وحينها لم أكن أريد أن أحكي عن المرض، وإنما كتبتُ مقالًا يتناول هذه التجربة، ونُشِر بالفعل في حوالي 12 صفحة بمجلة ميركوا «merkur» التي تصدرها دار نشر «كليت كوتا» المتميزة في ألمانيا، على هيئة كتيبات صغيرة توضع في ماكينات، ثمنها دائمًا يورو واحد، يضعه الشخص ويختار الكتيب الذي يريده.

تطور الأمر فيما بعد وأثارني، وأيقنت أن هذه الحكاية، شبه المعجزة، لا يستطيع أحد أن يرويها سواي، فبدأت أكتب في الرواية، معتبرًا أنها نوع من الاعتراف بالجميل لما حدث معي وإنقاذي من الموت، أردت بها أن أوجه رسالة شكر للمستشفى ولمن وهبني العضو، ولكي أفهم تلك التجربة أيضًا، فالكتابة بالنسبة لي كانت طريقتي لفهم ما حدث معي.

شعرت أثناء قراءتي للرواية أنك ترسم لقطات سينمائية لا مقاطع أدبية، خاصة وأنك قسّمتها إلى 277 مقطعًا، صغير ومتوسط الحجم. لم اخترت هذا الأسلوب؟

أردت أن أتبع القاعدة الهوليودية العريقة التي تفيد بأن يبدأ الكاتب بزلزال ثم يحكي ببطء، وقد كان ذلك من خلال سقوط البطل المفاجئ وتعرضه لنزيف دموي قبل أن أستمر في سرد الأحداث.

لكن الأحداث تتضمن الكثير من التفاصيل الطبية. ألم تخش أن يأثر ذلك على تركيز المتلقي ويفقدك نسبة من القراء ممن لا يفضلون هذه النوعية من الكتابات؟

لا أعتقد أن القارئ سينفر من هذه الطريقة، لأن اللقطات السينمائية، كما أشرتِ، ستحفظه من الملل. إلى جانب أن هناك طرقا كثيرة للحكي عن الذات، إحداها والتي استخدمتها في رواية «حياة» هي ماذا يروي ملف المريض، وقد وضعت تلك التفاصيل المرضية كمقاطع قصيرة منفصلة يمكن للقارئ أن يتجاوزها أو يمر عليها مرور الكرام بدون أن تتأثر البنية الروائية. فالحكاية يمكن أن يرويها الطبيب من وجهة نظره، والمريض كذلك، والملف نفسه يحكيها بطريقة أخرى، لكن في النهاية هي حكاية واحدة.

_MG_9335

بدأت في كتابة الرواية بعد عام من انتهاء العملية. هل عدت للطبيب أو الملف الطبي لكي تستكمل الأحداث والتفاصيل بهذا الشكل؟

لم يكن ذلك بطريقة مباشرة، لكني تكلمت بالطبع مع طبيبي وقرأت كثيرًا في الكتب الطبية المتخصصة، بالإضافة إلى أنني أملك ذاكرة جيدة وأثناء الكتابة كنت أتذكر ما حدث، وكانت التدوينات التي قمت بها أثناء إقامتي في المستشفى تساعدني على استدعاء الأجواء، وإن لم تجد مسارها في الكتاب كما هي.

أغلب جوائزك حصدتها عن رواية «حياة»، هل فاجأك هذا النجاح الكبير لها؟

بالطبع. لم أكن أتوقع هذا النجاح، فالرواية هي الكتاب السابع لي، كتبت قبلها ثلاث روايات حققوا بعض النجاح، وكنت كاتبًا معروفًا إلى حد كبير، حيث سبقتها رواية بعنوان «أربع تفاحات» حققت نجاحًا معقولًا، لكنه لا يقارن مع النجاح الذي حققته «حياة»، ربما لأنها حكاية إنسانية يمكنها أن تخاطب أي شخص، في البداية كتبتها لنفسي لكي أفهم تلك التجربة إلا أنها استطاعت أن تخاطب كل الناس.

_MG_9320

«حياة» ليست العمل الأول لك في السرد عن الذات، فإبداعك يحمل أجزاءً من سيرتك على الدوام، وكأنك اخترت أن تفسح المجال للواقع قبل الخيال، هل قصدت ذلك؟

ربما، فأنا أكتب عما عايشته وأعرفه جيدًا، لذلك موضوعاتي أستطيع أن أصنفها دائمًا بأنها تخييل يستند على السيرة الذاتية، لأن الحاضر بالنسبة لي شيء مثير، وأنا موجود في هذا الحاضر وأحب أن أصف ما أراه بنفسي.

ألا تجد في تجارب الأخرىن ما قد يجعل أيًا منهم محورًا لأحد أعمالك؟

بالطبع، تجارب الأخرىن تهمني كثيرًا، لذلك تجدين في رواية «حياة» حكايات المرضى في المستشفى، حيث كانت بمثابة دار للحكايات، أقمت فيها حوالي سنة، وشهدت بها حيوات أخرى بخلاف حياتي.

تبدو برلين ملهمة جدًا لك ونجدها في عدد كبير من أعمالك. هل هذا فقط لأنها البلد الذي تعيش فيها أم هناك أسباب أخرى؟

هذه ملاحظة صائبة بالفعل، يمكن القول أن برلين بطل في أعمالي، حتى أن بعض النقاد اعتبروا «حياة» رواية برلينية لأن هناك مشاهد يصف فيها المريض أحياء في برلين أو موقع المستشفى وغيره.

لقد انتقلت للحياة في برلين عام 1991 بعد سقوط السور والوحدة بعام، كنت في العشرين من عمري، درست هناك وقضيت معظم حياتي، كانت برلين في ذلك الوقت تمر بفترة مهمة جدًا شهدت تطورات كثيرة، فترة تحولات ما بعد الوحدة، وكانت لديّ رغبة بأن أحكي ما أراه وأعايشه، مثلما حدث في القاهرة بعد الثورة، مع الفارق بالطبع، لأننا لو قارنا بين حجم التغيرات ستكون النتيجة أن برلين لم يحدث فيها شيء.

_MG_9380

بذكر القاهرة وتحولاتها؛ كيف ترى القاهرة اليوم بعد خمس سنوات من زيارتك لها، هل هي المدينة نفسها التي تركتها في 2013؟

أنا شغوف جدًا بالقاهرة، وأحب المشي بها كثيرًا، قضيت أوقاتًا طويلة وأنا أتمشى في المدينة، محاولًا أن أفهمها بشكل أفضل، لكن بالطبع هذا لن يتثنى لي إلا بعد قضاء فترة أكبر هنا، خاصة أن التنزه هنا ليس سهلا، فالقاهرة مقارنة ببرلين مدينة كبيرة جدًا.

في 2013 مكثت حوالي ثلاثة أو أربعة أيام، وكان واضحًا أن الناس يعانون من الإنهاك بعدما عاشوا حدثًا كبيرًا أثناء الثورة، أعقبه نوع من أنواع الفراغ، اليوم بعد خمس سنوات لا أستطيع أن أكوِّن حُكم، لكني لاحظت أن المدينة هادئة وبها عدد كبير من أفراد الشرطة، الأمن يبدو مهمًا جدًا، وعلى الطرق السريعة رأيت إعلانات ضوئية كبيرة، توضح أن الاستهلاك عال.

تلك الزيارة السابقة لمصر كانت الأولى لك إلى المنطقة العربية، هل أثارت شغفك لتطلع على شيء من الأدب العربي؟

في السنوات الأخيرة جاء الأدب العربي إلى ألمانيا عبر اللاجئين السوريين الكثيرين الذين قدموا إليها، وهناك مشاريع شراكة أدبية كثيرة، منها مشروع «مواصلة الكتابة» يجمع بين كُتَّاب سوريين يكتبون بالعربية وكُتَّاب ألمانيين، وبالتالي حدث تبادل كبير.

وماذا عما قبل قدوم السوريين، ألم يكن الأدب العربي مترجمًا وموجودًا في ألمانيا؟

بلى، ألمانيا من الدول التي تهتم كثيرًا بالترجمة، وهناك دار نشر «لينوس» في سويسرا تترجم كثيرا من الأعمال الأدبية من العربية إلى الألمانية. أنا المقصِّر في ذلك، كان يمكنني أن أقرأ أكثر مما قرأت.

ما البلاد العربية التي زرتها بخلاف مصر؟

حتى الآن أبو ظبي، إن اعتبرنا أنها بلد عربي، فهي مدينة حداثية جدًا وتبدو كأنها من كوكب آخر.

هل هناك مشاريع لترجمة أعمال أخرى من تأليفك إلى العربية؟

أعتقد أن روايتي الأولى «سروالي الأزرق الداكن» التي صدرت عام 1999 سوف تظهر في مشروع «كلمة» في أبو ظبي، هناك مفاوضات من أجل ذلك.

_MG_9345

«حياة» صدرت منذ خمس سنوات، وقد نشرت بعدها خمسة كتب أخرى، لكننا مازلنا ندور في فلك تلك الرواية، ألا تشعر أنها طغت على ما صدر بعدها؟

لا أستطيع أن أقول طغت، بالطبع «حياة» شهدت استقبالا عالميا لم تشهده كتبي الأخرى، لكن مثلما يقولون «كلهم أبنائي» وأنا أحب كل أعمالي.

أظن أن هؤلاء الأبناء يوفرون لك دخلًا مناسبًا لتعيش منه على عكس الوضع في مصر، حيث يصعب هنا أن يكون الأدب مصدرًا للرزق.

هذا صحيح، الكُتَّاب الألمان يعتبروا مدللين بعض الشيء، لكنهم أيضًا لا يستطيعون العيش من دخل الكتب، حتى رواية «حياة» التي كانت الأعلى مبيعًا في فترة ما، كان ذلك منذ خمس سنوات، الآن لن تدخل لي ما أستطيع أن أعيش منه، لذلك هناك طرق أخرى للدعم مثل حلقات القراءة والمنح ودعم الدولة، فألمانيا لديها اهتمام بدعم الأدب عبر هذه الوسائل المختلفة. وأنا عن نفسي أقوم بالتدريس في الجامعات، لكن ليس بطريقة منتظمة، بين حين وآخر أحصل على تكليف بإلقاء محاضرات عن الأدب في الجامعات الألمانية.

هل عملت في مجالات أخرى قبل امتهانك الكتابة؟

أثناء الدراسة نشرت في الصحف، في الصفحات الثقافية، بعد دراستي الجامعية بدأت في الدراسات العليا لكني لم أمض في هذا المسار طويلًا، وخلال تلك الفترة نُشِرت أولى رواياتي، بعد ذلك عملت لمدة ثلاث سنوات في الصحيفة المعروفة «فرانكفورت الجيماين» بشكل ثابت، لكن من المنزل، لم يكن مطلوبًا أن أذهب للجريدة. تلك المقالات والقصص نشرتها بعد ذلك في كتاب حكايات عن برلين.

لكنك درست الأدب وتاريخ الفن، هذا يعني أنك قررت مصيرك منذ البداية.

لا، لقد بدأت بدراسة الاقتصاد في جامعة بون لكني لم أستكملها، تركتها بعد عام، حيث كنت أدرس إلى جانبه الأدب وتاريخ الفن، ثم انتقلت إلى برلين وبدأت أدرس الأدب المقارن وتاريخ الفن، وخلال دراستي ببرلين ذهبت لمدة عام إلى باريس في تبادل طلابي.

في الحقيقة، لم تكن لديّ فكرة بأنني سأصبح كاتبًا أو أن هذه ستكون مهنتي، لأن الكتابة مهنة صعبة جدًا في ألمانيا، والتوقعات العائلية كانت برجوازية بشكل أكبر، بأن أمتهن مهنة عادية مثل أبي وأمي، فليس ضروريًا أن أهتم بالأدب والفن لكي أعمل بهما، كان اهتمامي بالكتب والقراءة نابعًا من محاكاتي لأختي الكبيرة، إنها القارئة العظيمة التي كنت أحاول أن أقرأ ما تقرأه هي.

_MG_9366

في بدايتك كانت لك محاولات شعرية. لماذا هجرته؟

لا أستطيع القول أنني بدأت كشاعر، لكني فعلًا كتبت عملا واحدا عبارة عن نثر، لا أسميه شعرًا، وإنما نثر متقطع في هيئة أبيات، وهذا موجود في حياة، هناك فصول أحكي فيها كأبيات شعرية، فأنا شاعر نثري، أو ناثر شعري.

ألاحظ أنك تحمل عددًا من الكتيبات الصغيرة من مجلة «ميركوا» التي تضم مقالات وقصصك. هل يعني ذلك أن كل ما تكتبه يُنشَر، حتى النصوص القصيرة المنفصلة، أم هناك ما تحتفظ به أدراج مكتبك؟

ما نُشِر جزء ضئيل جدًا مما كتبت، ما لديّ أكثر. كتابي الأخير «رومانيا» نموذجًا للرجوع إلى الدُّرج، فقد أخرجت يوميات كتبتها عام 2002 وعملت عليها حتى ظهرت تلك الرواية، وهي رواية عن الفشل في كتابة رواية.

قرأت لك تصريحا من قبل تقول فيه أنك لا تهدف للحصول من الكتابة على المال أو الجوائز وأن لك أهدافًا خاصة، ما هي؟

صحيح، أنا لا أكتب للحصول على جوائز أو على المال، كما أن الجوائز لا تأتي بمال كثير. أكتب لأن هناك ما أريد قوله، أو لأني أعتقد أنني رأيت أو عايشت شيئًا أريد أن أصفه وأتحدث عنه، نحن نعيش في حاضر يستحق أن نحكيه لبعضنا. عن طريق الحكي يحصل هذا الحاضر على معنى.

بمناسبة الحديث عن الجوائز، في السنوات الأخيرة أثار فوز سفيتلانا أليكسييفيتش وبوب ديلان بجائزة نوبل جدلًا واسعًا، يهمني أن أعرف رأيك في ذلك؟

شهدنا هذا العام كم الفساد والشجار والفرقة داخل الأكاديمية السويدية، وهو ما يقدِّم إجابة على سؤالك. ذلك لا ينفي أن سفيتلانا كتبت أشياء عظيمة وبوب ديلان مغنيًا رائعًا، لكن إن كانا يستحقان نوبل أم لا فهذا شيء آخر.

Comments