عبد الرحمن حجازي: المِنَح تحمي الوطن من الفكر المتطرف

  • لو اعتبرنا أن الجائزة نوع من التكريم ودفع المبدع لأن يعطينا الأفضل لن تُحجب ولا واحدة

  • ليس كل ما يُكتب يُنشر.. والعمل غير الصالح للنشر لا يعني أنه غير قيم أو غير جيد

  • الأعمال المقدمة في الفنون يزيد عددها عن 600 وفي الآداب 200 لذلك من الطبيعي أن يحدث هذا التباين

  • من يتقاضى مرتبًا أعلى من المبلغ المقرر له في المنحة يحصل على الحد الأعلى بغض النظر عن فئته

قبل أسبوعين؛ أعلن المجلس الأعلى للثقافة عن أسماء الحاصلين على منح التفرغ للعام المالي 2019/2020 في مجالات الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية، وتضمنت القائمة 362 اسمًا، من بينهم 225 تجديد، و137 لأول مرة.

كشف عدد الحاصلين على المنحة في الفروع المختلفة عن تباين شديد بين المجالات الثلاثة، حيث بلغ في مجال الفنون 242 مبدعًا، مقابل 120 في مجالي الآداب والعلوم الاجتماعية مجتمعين، وهو ما فتح مجالًا لطرح العديد من التساؤلات حول سير عملية المنح ومعاييرها وكيفية توزيعها، ففضلًا عن العدد؛ هناك تقسيم آخر حسب الدرجات، حيث يحصل على المنحة من تبلغ درجاته بعد التقييم 65% وما فوقها حتى 80%، وقيمتها 1200 جنيه، ومن 81% إلى 90% يحصل على 1800 جنيه، ومن 91% إلى 100% يحصل على 2400 جنيه.

حملتُ تساؤلاتي وتوجهتُ لمكتب د.عبد الرحمن حجازي، مدير الإدارة المركزية لمنح التفرغ ورعاية الموهوبين، التابعة للمجلس الأعلى للثقافة، والذي تولى مسئوليتها منذ عام 2017، بعدما تدرج في مناصب متعددة داخل المجلس والوزارة أكسبته خبرة كبيرة في التعامل مع الجوائز والمنح وقوانينها.

لم يبخل عليَّ د.عبد الرحمن بمعلومة، ولم يعتذر عن إجابة أي من أسئلتي، بل شعرتُ في أحيان كثيرة أنه في انتظار المزيد، حتى يزيل كل نقطة قد تبدو غامضة أو مبهمة في أمر المنح، ومؤكدًا أنه ينحاز على الدوام إلى الشفافية والمصارحة.

بعد ما يقرب من الساعتين لملمتُ أوراقي، واتجهتُ إلى «الأسانسير» وفي ظني أن الحوار انتهى، والإجابات توضِّح كل شيء، لكن ما بين الدور الرابع في مبنى وزارة الثقافة الكائن بشارع المساحة في الدقي، ومدخله، وقعت محادثة مفاجِئة وغريبة جعلتني أشعر بحاجتي إلى إعادة قراءة الإجابات في ضوئها، حيث قابلتُ «عبير بشندي» ذات الوجه الطفولي الباسم، التي بادرتني بسؤال عن كيفية الخروج من هذا المكان إلى شارع رئيسي يمكنها الذهاب منه إلى الجيزة، فحاولتُ أن أشرح لها لكن بدا لي أن خبرتها بالشوارع والطرق قليلة جدًا، أو ربما فيما يتعلق بتلك المنطقة تحديدًا.

قررتُ السير معها إلى الشارع الذي تريده، أو بالأحرى الذي تعرفه ويمكنها التحرك من عنده، فأخبرتني بعفوية عما قابلته من مشقة خلال اليوم منذ الصباح، حيث لم تكن تعرف أنها اختيرت في مجال الحلي بمنح التفرغ، ظنًا منها بأنهم سيتصلون بها إن حدث ذلك، فهي لم تعلم أيضًا أن هناك إعلانًا عن الأسماء قد تم، لكن إلحاح صديقتها عليها وبصيص الأمل بداخلها جعلاها تتصل بالإدارة باكرًا لتسألهم إن كان هناك جديد، ففوجئت بأنها الوحيدة المختارة في المجال وأنهم في انتظارها منذ فترة لاستكمال الأوراق، ولأن هذا هو اليوم الأخير، فعليها الحضور لتوقيع الإقرار مع إحضار خطاب من البنك برقم الحساب الذي سيتم التحويل عليه.

كانت عبير تحكي وهي في قمة السعادة، تشعر أن حدثًا كبيرًا باغت حياتها وعلى وشك تغييرها، أوضحت لي أنها تعمل حاليًا بالنحاس، وتطوِّر من نفسها حتى تصل لمرحلة الفضة والذهب، وهما – حسبما أخبرها البعض – أسهل كثيرًا في التشكيل، ثم أخرجت هاتفها لتريني المشروعات الثلاثة التي تقدَّمت بها للمنحة، قبل أن نصل للشارع المنشود وتذهب كلا منا في طريقها.

تلك حالة لا تعرف أحدًا تقريبًا، ولا يعرفونها أيضًا، فقط تعمل في صمت وتنتظر أي فرصة للتطور والإعلان عن نفسها، لكن؛ هل كل الأسماء غير المعروفة لأحد في القائمة مثلها؟ هل حقًا تنصف المنح كل مستحِّق؟ هل هناك من المعايير ما يضمن تحقيق العدل للجميع؟. هذه الأسئلة وغيرها كانت محور حديثي مع د.عبد الرحمن حجازي، الذي جاء نصه كالتالي:

كيف تسير عملية «منح التفرغ» من البداية؟

يُفتح باب التقدم لها في بداية شهر مارس من كل عام، لمدة 21 يومًا، وقبل 1 يوليو تُعلن النتيجة، بحيث يتمكن الحاصلون على المنح من العاملين في الدولة من إنهاء إجراءات حصولهم على الأجازة، أو استيفاء أوراقهم الخاصة بالمنحة.

لماذا يزيد عدد المنح في مجال الفنون عنه في مجالي الآداب والعلوم الاجتماعية؟

يتقدم لنا في كل المجالات أعداد كبيرة، وتتباين ما بين فرع وآخر، لكن في المجمل المقدَّم في الفنون يزيد عن 600 في حين أن الآداب في حدود 200، أي أقل بكثير، لذلك من الطبيعي أن يحدث هذا التباين. وفي العام الماضي أيضًا؛ أذكر أن عدد المتقدمين في الفنون كان 800 والآداب 150، رغم أن المتردد على المجلس الأعلى للثقافة يعلم أن هناك تفرغا وجوائز دولة.

كيف يتم فحص الأعمال المقدَّمة؟ ما المعايير؟

حسب اللائحة؛ كل عمل في مجالي الآداب والعلوم الاجتماعية يذهب لثلاثة محكمين من جامعات مختلفة حسب التخصص، إما من لجان المجلس أو الجامعات. أما الفن التشكيلي فلجنته مكونة من سبعة محكمين في المجالات المختلفة، أو أكثر أحيانًا، حسب التخصص أيضًا، وفيه نقيم معرضًا للتقييم، حيث يقدم كل فنان 3 أعمال يتم فحصها، مع إجراء مقابلة شخصية.

أيعني ذلك أن تحكيم الفنون مختلف عن الآداب والعلوم الاجتماعية؟

ليس مختلفًا، ففي النهاية يضع المحكمون درجات للمتقدم في كل مجال، من يحصل على نسبة 65% يستحق المنحة، ما دون ذلك يُرفض. اللجنة العليا للتفرغ هي التي تحكم عمل لجان الفحص وتشكِّلها، ثم تصل إليها النتائج وتعتمدها لرفعها إلى الوزيرة، التي تعتمد النتيجة النهائية.

عرفتُ أن الفاحصين في مجالات الفنون تكون درجاتهم أعلى من فاحصي الأدب والعلوم الاجتماعية، وهو ما يترتب عليه احتكارهم للفئة الأعلى في المنح كذلك. ما السبب؟

يشارك في تحكيم كل تخصص ثلاثة أساتذة، والمتقدمون في الغالب يكونون معروفين بالنسبة لهم، لذلك نرسل العمل لثلاث جامعات مختلفة ومحافظات متباينة. مشكلتنا إن الحكم على المبدع يكون أحيانًا من باب أنه سيحصل على جائزة. لا شك أن الكاتب يجب أن يكون جيدًا ومميزًا، لكن ما يحدث أن أحد المحكمين يعطي العمل مثلًا 80 درجة، بينما يمنحه الآخر 50 والثالث 60، فتكون المحصلة أنه لا يصل إلى نسبة 65% رغم أن درجاته ليست سيئة تمامًا، وأحيانًا يحصل عمل على 90 و80 من محكمين ويمنحه الثالث صفر. في الفنون لا يحدث ذلك إطلاقًا، يكون هناك تقدير للجهد الذي بذله الشخص للمحاولة والتقديم، وهذا يعيدنا إلى الأزمة التي نعيش فيها منذ عشرات السنين؛ هل نعاني من أزمة نقد أم أزمة إبداع؟

ماذا يحدث في حالة كان مرتب الحاصل على منحة التفرغ أعلى من المبلغ المقرر له؟

يحصل على الحد الأعلى بغض النظر عن فئته، إن كان في الفئة الثالثة ومرتبه يتعدى الأولى يحصل على أعلى شريحة.

لكنه لن يصل لمرتبه حتى وإن كان أعلى من ذلك؟

لا. فنحن ندفع له أيضًا التأمينات والمعاشات ليصبح متفرغًا تمامًا، ولدينا حدود مالية نعمل في إطارها.

كان هناك مقترح مقدم منذ فترة للتطوير وفيه جزء يتعلق بمنح التفرغ وزيادة القيمة المالية لكل شريحة مع تقليص أعداد الحاصلين عليها بحيث تذهب للأكفأ. أليس كذلك؟

نعم؛ كان هناك اقتراح في اللجنة العليا بأن يكون المبلغ أكثر من ذلك. الفكرة جيدة ومهمة، لكن ذلك سيترتب عليه تقليل كبير في العدد، وهنا علينا أن نعيد التفكير، هل منح التفرغ موجهة للتشجيع أم كجائزة؟ لأن منح التفرغ لشخص كبير سيترتب عليه أن يعطينا في النهاية عملًا كبيرًا، لكنه يحتاج تقديرًا ماليًا عاليًا.

في كل الأحوال، ورغم المبالغ القليلة؛ إلا أننا نستلم أعمالًا في النهاية ذات قيمة، لأن الشاب عندما يشعر أن الدولة بجانبه حتى ولو بمبلغ زهيد يحدث معه ذلك فارقًا كبيرًا. لابد من تشجيع الشباب، وخاصة في مجال الفنون، لأن دروبهم مغلقة، وليست لديهم وسيلة للترويج أو العمل. فمنذ عامين لم أجد واحدًا في الخط العربي، وعندما أضفناه هذا العام جاءت لنا كتب، كما اهتممنا بمجالات أخرى كثيرة، كالتراث واللغة العربية والهوية ومشكلات المجتمع الآن.

عندما نشجِّع ما يقرب من 400 فنان وأديب وباحث عن طريق تلك المنح، نحمي الوطن والمجتمع من الفكر المتطرف، بدلًا من أن يتحول أحدهم لإرهابي، وجميعنا نعلم كيف تستقطب الجماعات الإسلامية الأشخاص.

ماذا يحدث بعد انتهاء مدة المنحة؟

في البداية لم نكن نأخذ أي شيء من الأعمال الفنية، والأديب يذهب لنشر عمله في أي مكان. الآن أصبحنا نأخذ من كل فنان عملًا مقتنى: في النحت أو التصوير أو الرسم وهكذا، وفي الأدب نستلم عملًا كاملًا. فالدولة تعطي كل مبدع في أقل فئة 15 ألف جنيه سنويًا، ولا تأخذ شيئًا في النهاية، لكن الآن من خلال الإدارة المركزية للشئون الأدبية، والتي تحوي إدارة عامة للتأليف والنشر، ستعود سلسلة إبداعات التفرغ. ووعد من د.هشام عزمي، الأمين العام؛ سنقيم معرض لمقتنيات التفرغ هذا العام.

ألم تفتتح د.إيناس عبد الدايم معرضًا كهذا في نوفمبر الماضي تضَّمن 350 لوحة؟

لا. ذلك كان معرضًا لإبداعات التفرغ بكل فروعه، وإنما هذا للمقتنيات التي حصلنا عليها خلال ثلاث سنوات، مُتنازَل عنها من قِبل المبدع. إن تم بيعها سيكون له نسبة 70% من ثمنها، لكنها حاليًا مهداة لوزارة الثقافة كمُقتنيات يمكننا إهداؤها للجهات الحكومية. وقد اقترحتُ إهداءها للعاصمة الإدارية الجديدة، لتصير بمثابة تخليد للفنان وتشجيع له.

وهل يقدم كل الحاصلين على منح تفرغ أعمالا في نهاية المدة؟ معلوماتي أن هناك كثيرين لم يقدِّموا شيئًا في الأعوام السابقة.

لن أتحدث عن السنوات الماضية، ما يمكنني قوله أننا بدأنا مرحلة جديدة من العام الماضي، وتسلَّمنا أعمالًا كاملة في الفنون والآداب. الآن نتعامل بجدية وصرامة مع الحاصلين على المنح، بحيث تكون هناك متابعة شهرية، وتحكيم ربع سنوي، يقدم فيه المبدع ما أنجزه، وبعد ذلك يتحدد إن كان سيستمر في المنحة أم لا.

هل تسلمتم أي أعمال؟

نعم. لأول مرة مثلًا نأخذ كتابًا في الخط العربي، بالتعاون مع الإدارة المركزية، وهناك موسوعة تجهز الآن، كما نجهِّز معارض مختلفة للفن التشكيلي بكل فروعه. هناك تشجيع حقيقي من معالي الوزيرة الفنانة د.إيناس عبد الدايم وحرص منها على إقامة معارض متنوعة، وعلى عودة نشر سلسلة إبداعات التفرغ، وذلك بالتعاون مع الهيئة العامة للكتاب، لأننا وزارة واحدة.

هل سيتم نشر كل أعمال التفرغ؟

لا. الأعمال المميزة.

وغير المميزة؟

ليس لدينا ما يكفي من الأموال. لكن كل الأعمال مميزة في النهاية، وإلا ما كانت حصلت على تفرغ.

هذا ما أقصده تحديدًا بسؤالي عن نشر كل الأعمال. لماذا حصلت على المنحة أعمال غير مميزة؟

ليس كل ما يُكتب يُنشر، لذلك سنشكل لجنة للنشر، لفحص الأعمال المختلفة في منح التفرغ وتحديد ما إذا كانت صالحة للنشر أم لا. النشر له اعتبارات أخرى، والعمل غير الصالح للنشر لا يعني أنه غير قيم أو غير جيد، لكننا نركز على قضايا مهمة وملحَّة الآن.

لم لا تكون هناك بروتوكولات تعاون بين المجلس وهيئات وزارة الثقافة لنشر تلك الأعمال الحاصلة على منح التفرغ؟

أتمنى ذلك، لكن كل هيئة لديها أعمالها وسلاسلها، وقد سبق لمعالي الوزير الأسبق د.جابر عصفور أن عقد الكثير من البروتوكولات ولم يُنفذ أي منها، رغم جديته في الأمر. الموضوع يتوقف على الموارد المالية والميزانية المتاحة.

لاحظتُ أن سن الحاصلين على منح التفرغ كبير، أكثر من الشباب. لماذا؟

الإبداع لا يتوقف. وإن حاولنا تحديده ستحدث مشكلة كبيرة، والدليل ما حدث في العامين الماضيين بالجوائز التشجيعية. هل السبب أنه ليس هناك مبدعون؟ بالطبع يوجد الكثير. لو اعتبرنا أن الجائزة نوع من التكريم ودفع المبدع لأن يعطينا الأفضل لن تُحجب ولا واحدة.

هل تعتبر أن منح التفرغ تعوِّض ما لم تحققه جائزة الدولة التشجيعية؟

لا، ليس هكذا، وإنما تكمِّل بعضها بعضًا. ما أطمح إليه أن تكون منح التفرغ نواة لجوائز الدولة، بحيث ينتج عنها أعمال إبداعية مهمة وذات أهداف سامية وقيمة ترقى لنيل الجوائز. الثقافة كانت الأولى دائمًا، ولطالما كانت تساعد في السياسة والاقتصاد والاجتماع وأشياء كثيرة، لكن دورها للأسف تراجع.

Comments