بعد صدور «خطوط شائكة».. عزة كامل: الحياة أكثر قسوة من أحداث الرواية

IMG_2443
  • كانت الكتابة وسيلتي للتخلص من مرارة فقدان رضوان

  • أشعر أحيانًا بالتوحد مع الحيوانات أكثر من البشر

  • تزوجتُ في سن 16 عامًا وحظي كان جيدًا لكني لا أنصح بذلك

  • لو أعدتُ كتابة رواية «نسب» لحذفتُ منها الكثير

  • ثقافتي مرئية وأكتب حاليًا سيناريو عن بديع خيري

تصوير: عمرو بن العاص


(مشهد 1) أطفال يلهون في واحدة من عمارات حي المنيل، ينتمي كل واحد أو اثنين منهم إلى أسرة تسكن إحدى الشقق، ومن رحم الجيرة تولد صداقة الكبار والصغار.

(مشهد 2) فتاة في عِقدها الأول تتفتح عيونها على الحياة بين والدين وأخت وخمسة إخوة، وصديق لأخيها ينتمي لأسرة مجاورة تعود جذورها إلى محافظة سوهاج بصعيد مصر، ويكبرها بتسع سنوات.

(مشهد 3) تنمو الفتاة تدريجيًا لكن وعيها يقفز بصورة أسرع، نتيجة ما أخذت تطلع عليه مداركها منذ تجاوزت سن العاشرة، إذ اعتادت مشاهدة الأفلام السينمائية مع أسرتها في جمعية الفيلم، وتوطدت علاقتها بالأسرة المجاورة وابنهم، فصارت تصعد إليهم لمطالعة ما تحويه مكتبتهم الضخمة من كُتب، واستعارة ما ترغب. ومن ناحية أخرى، تعرفت وهي في الثالثة عشرة من عمرها على عدد من النسويات اللاتي أسسن حينها مجموعة «المرأة الجديدة».

(مشهد 4) علاقة حُب تجمع بين الفتاة ذات الخمسة عشر ربيعًا وجارِها الشاب الذي تخرج لتوه من الجامعة، تحت نظر الأسرة ومباركتها، وفي إطار مساحة كبيرة من الحرية.

(مشهد 5) تكمل الفتاة عامها السادس عشر وهي عروس تُزَف لحبيبها، رغم اعتراض الأب على تلك الخطوة وخشيته من تأثير ذلك على مستقبل ابنته وتعليمها، لكنها طمأنته ووعدته بألا تجعل شيئًا يعرقل طريقها.

خمسة مشاهد تلخص المرحلة الأولى من حياة الكاتبة والحقوقية عزة كامل، الفتاة التي حافظت على وعدها لأبيها، وظلت على مدار سنوات عمرها التالية تدرس لتثبت له صحة قرارها، فالتحقت بكلية العلوم قسم فلك، ثم انتقلت للدراسة الأدبية وحصلت على درجة الدكتوراه في فلسفة التربية، وزاوجت بين عملها بمجال حقوق المرأة ودراستها من خلال إجراء الكثير من الأبحاث عن المرأة والطفولة.

فعلت عزة كامل كل ذلك وهي في كنف المخرج الراحل رضوان الكاشف، صديق الطفولة والحبيب والزوج، وبعد وفاته عام 2002 وجدت متنفسها في الكتابة لتتخلص من حزنها وغضبها، خواطر وأشعار وقصص أخفتها عن الجميع واعتبرتها ذاتية، إلى أن قرأها أحد الأصدقاء وأخذ مجموعة منها لنشرها بالمجلس الأعلى للثقافة، فكان الكتاب الأولى بعنوان «حرير التراب» عام 2010، توالت بعده ثلاث مجموعات أخرى، هي «النهر الراجف» 2014، «كائنات ليست للفرجة» 2016 و«بعض من الظل بعض من الصورة» 2018، وروايتين هما «نسب» 2018 و«خطوط شائكة» 2019.

في روايتها الأخيرة؛ تستعين عزة كامل بمجمل خبراتها الحياتية، فنجد نماذج مختلفة من الشخصيات، تحتل النساء نصيبًا كبيرًا منها، بمشكلاتها ومعاناتها، ويتقاسم معهن الأحداث رجال متباينون بين الجيد والظالم والمجرم، تتقاطع مصائرهم جميعًا، في مشاهد أقرب إلى التصوير السينمائي عن القصصي. عن خطوطها الشائكة في الكتابة والعمل والحياة؛ دار حوارنا التالي معها.

عزة كامل وعائشة المراغى

أين كانت عزة كامل، الكاتبة، قبل 2010؟

كنت أكتب ولا أظهر كتاباتي لأحد، أكتب لنفسي، وأشعر أن قصصي لي وحدي، رغم أنها كاملة. بعدما فقدتُ رضوان عام 2002 وتحملتُ المسئولية كأم عزباء، وضعتُ همّي في العمل والأولاد، وكانت تلك النصوص وسيلتي للتخلص من أي مرارة وتقبل الوضع بنفس راضية، وهذا ربما ما جعلني لا أفكر في نشرها، حتى زارني صديقي د.جلال الجميعي ذات مرة ورأى بعض القصص. أخبرته أنها تخص إحدى صديقاتي، فطلب أن يقرأها، ثم فوجئت أنه قدمها للمجلس الاعلى للثقافة ووافقوا عليها، وهكذا بدأت فكرة النشر. لكني لازلتُ أملك الكثير من الأبيات الشعرية التي أكتبها لنفسي ولا أريها لأحد، لأنني في رأيي لستُ شاعرة.

ولماذا انتقلت لكتابة الرواية بعد أربع مجموعات قصصية؟

لا أعرف. لم يكن قرارًا، وليس لديّ أي تفسير سوى أنني وجدتُ نفسي غارقة في الفترة الفاطمية وأكتب رواية «نسب»، قرأتُ حول ستين عامًا في دراسات وكتب كثيرة، حتى تلبستني تلك الفترة ولم تعد تكفيها قصة.

IMG_2463

من بين شخصيات تلك الفترة الطويلة اخترتِ شخصية «نسب» لتكون أساس روايتك، وفي «خطوط شائكة» استعرضتِ الكثير من المشكلات الخاصة بالمرأة. هل يمكن القول إن لديك مشروع روائي نسوي؟

اخترتُ «نسب» لأنني أحببتها، لم يُكتب عنها شيء في التاريخ كله سوى سطر واحد يفيد بأنها كانت «طبّالة»، فخلقتُ لها عالمًا محيطًا. لكنني لا أعمل على مشروع نسوي ولا أعتبر نفسي منتمية للأدب النسوي. لا يعني ذلك أنني ضده، فهو موجود رغم الجدل الكبير حوله، ويمكن للناس التصنيف كما تريد. ما أفعله فقط هو تناول قضايا نماذج متعددة من النساء، دون أن أجعلها جميعًا على صواب، ومن ناحية أخرى أتعاطف مع بعض الرجال.

لكن كثافة العرض في مستهل «خطوط شائكة» للمآسي التي تعرضت لها بطلات الرواية في صغرهن جعلتني أشعر أنها استكمالًا لعملك في مجال حقوق المرأة، خاصة وأن بها قدرًا كبيرًا من الفجاجة؛ ما بين ابن يضرب أمه وأب يغتصب ابنته وقرية تنكل بالضحية.

لأن هذه الأحداث أراها وأعيشها طوال الوقت، والتجارب الحياتية هي التي تخلق الشخصيات الدرامية، فلا يمكنني تخيل شخصية ليس بيني وبينها تماس في الواقع، وعملي في مجال حقوق المرأة منذ سن صغيرة جعلني أفهم أوضاع النساء على المستويين المصري والعربي، إذ بدأتُ، وأنا في المرحلة الثانوية، الذهاب لعين الصيرة مع الجمعيات النسائية وافتتاح فصول لمحو الأمية وتأسيس نادي سينما للسيدات، وهكذا. ومن خبرتي أقول إن الحياة فيها ما هو أكثر مرارة من ذلك.

IMG_2494

لكنني حاولتُ في هذه الرواية الاقتراب بشكل أكبر من عالم المثقفين الذي تربطني به علاقة قوية، فمنذ التحق رضوان بالكلية وأنا أعيش فيه ومازلتُ. لا تحمل الرواية إدانة لهم ولا تمجيدًا، وإنما أتناول فقط علاقاتهم المتشابكة، وكلها شخصيات موجودة في الواقع، وإن كنت لا أقصد بأي منها شخصًا بعينه.

لكنك ذكرتِ من قبل أن شخصية القوّاد «حسن» حقيقية تمامًا وتحمل نفس الاسم في الواقع. لماذا هو تحديدًا؟

لأنني رأيتُ تلك الشخصية وأعرفها جيدًا. كانت تقلقني في طفولتي وعندما كبرت أيضًا. شعرتُ بحاجتي لإخراجها على الورق، وعندما فعلتُ ذلك انتهت. لم أعد أتذكره الآن.

IMG_2529

اختيارك اسم «آدم» لإطلاقه على الكلب. هل وراءه رمزية مقصودة؟

لا أفكر في الأسماء ودلالتها، لكنني أعشق اسم آدم وأرى أنه أصل الحياة، إلى جانب علاقتي الوطيدة بالحيوانات، خاصة الكلاب، لذا تعاملتُ معه في الرواية باعتباره «بني آدم»، أنسنته لأنه حيوان يرقى لذلك، بل وأي حيوان. أشعر أحيانًا بالتوحد مع الحيوانات أكثر من البشر، وأذكر أنني في سن السابعة أحضرتُ «معزة» رضيعة لمنزلنا، بعدما ماتت أمها وأختيها، اهتممت بها وأرضعتها بـ«الببرونة»، إلى أن أتى أحدهم وأخذها من البيت، فصرتُ أبكي شهرًا كاملًا.

جاءت الرواية خالية من العناوين والعتبات، أكثر من ثلاثمائة صفحة متلاحقة تفصل بين فقراتها ثلاث نجمات، وكل فقرة تبدأ بشكل مبهم نستغرق معها بعض الوقت قبل أن نكتشف الشخصية التي انتقلتِ إليها. ألم تخشِ من تشتت القارئ وفقدانه للتركيز؟

على العكس، قصدتُ ذلك، أن يكون عالم الرواية كله متداخل، ومصائر شخصياتها مرتبطة ببعضها كخيوط العنكبوت، يجري وراءها القارئ طوال الوقت، لكنه في النهاية سيفهم.

IMG_2511

هذا يعني أن الأمر لم يتطلب منك إعادة نظر بعد انتهائك من الكتابة، فما الذي تحرصين على مراجعته إذن قبل انتقالك لمرحلة الطبع؟

أتأمل الشخصيات وكيفية رسمها، وهل العلاقة بينها واضحة أم لا، فشخصية كـ «حنان» مثلًا - التي تزوجها بكري في النهاية - لم تكن سهلة في كتابتها رغم أنها لم تحتل حيزًا كبيرًا في الرواية. في بعض الأحيان يمكن أن أحذف أجزاء من العمل. أظن أنني لو أعدتُ كتابة «نسب» الآن لحذفتُ منها الكثير، على عكس «خطوط شائكة»، راضية عنها تمامًا.

يبدو أسلوبك في الكتابة أقرب للسينما منه إلى الرواية. ألم تفكري في كتابة السيناريو؟

لقد كتبتُ سيناريو بالفعل، قبل «خطوط شائكة»، وهو مسلسل عن بديع خيري، أستكمله حاليًا. والسبب أن ثقافتي مرئية، أنا وأسرتي نحب السينما جدًا وتربيتُ منذ صغري على عروض جمعية الفيلم، كنا نذهب لمشاهدة أفلام عالمية ونقاد يناقشونها، لكِ أن تتخيلي ما يمكن أن يفعله هذا العالم السحري في طفلة ذات ثلاثة عشرة عامًا، لذا أرى الأشياء طوال الوقت مشاهد.

عند الحديث عن السينما لا يمكن أن أغفل ذِكر المخرج رضوان الكاشف، ويستوقفني في علاقتكما سِنك عند الزواج، فأنتِ تزوجتِ في عمر ستة عشرة عامًا رغم أنك تناهضين ذلك الآن بشدة وأسستِ حملة بعنوان «مش قبل 18».

نعم، أنا من أصريت على الزواج حينها، لكنني لا أنصح بذلك، رغم أن حظي كان جيدًا، إذ تزوجتُ برجل منحني الحرية لاستكمال تعليمي ثم العمل، كان يحترم عملي جدًا ويدعمني. كان لكل منا مساحته، وهذا هو السبب وراء نجاح العلاقة، أن يكون لكل من الطرفين مساحته وبينهما مساحة مشتركة، بكل احترام دون فرض آراء. إلا أنني رغم كل شيء عشتُ سن غير سني، ولو عاد بي الزمن لم أكن لأتزوجه مبكرًا، كنت سأطيل فترة حبنا وأنتظر بعض الوقت قبل الإقدام على خطوة الزواج.

IMG_2540

ما القادم لديكِ؟

انتهيتُ من رواية ثالثة وهي جاهزة للنشر، عن السهروَردي المقتول، الفيلسوف الكبير، الذي لم يتحدث عن حياته أحد، فخلقت له حياة كاملة. اخترته لأنه كان يملك وجهة نظر في الدنيا والعالم، ولأن ظروف قتله مرتبطة بصلاح الدين الأيوبي، وتلك فترة غير هينة. لكنني هذه المرة لم أتعمق في التاريخ كثيرًا مثل «نسب»، حاولتُ الاستفادة من التجربتين السابقتين في كتابة الرواية.

وهل تكتبين شيئًا حاليًا؟

نعم. كتاب خارج نطاق الإبداع، يتعلق بالمرأة، بدأتُ فيه لكنني أحتاج للتفرغ له بشكل أكبر.

وماذا عن القصة القصيرة، هل ستعودين لها مرة أخرى؟

بالطبع، هي الأساس بالنسبة لي، أعشقها.

Comments